في مؤشر جديد على تصعيد سياسة التسليح الأميركية كأداة ابتزاز جيوسياسي، كشفت تصريحات مسؤول عسكري تايواني رفيع، الخميس، أن واشنطن تواصل دفع الجزيرة إلى واجهة الصراع مع الصين، عبر إعداد صفقات أسلحة إضافية، استكمالاً لحزمة ضخمة أُعلن عنها في ديسمبر الماضي بقيمة 11 مليار دولار، في واحدة من أكبر عمليات عسكرة تايوان في تاريخها الحديث، وبما يخدم بالدرجة الأولى أجندة الصناعات العسكرية الأميركية.
تايوان رهينة صفقات لم تُعلن بعد
وقال نائب وزير دفاع تايوان، هسو سزو تشيين، في تصريحات للصحافيين بتايبيه عقب الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء، إن الإدارة الأميركية تعمل على أربع حزم تسليحية جديدة لم تُخطر بها الكونجرس بعد، في خطوة تعكس استمرار واشنطن في إدارة الملف التايواني بعيداً عن الشفافية، ووفق حسابات التصعيد المرحلي.
وأكد هسو أن هذه الصفقات لا تزال قيد الإعداد، رافضاً الكشف عن تفاصيلها، مكتفياً بالقول: "لا تسألوني عن طبيعة هذه الصفقات الأربع، لا يمكنني الإفصاح عنها لأسباب قانونية، لكنها لم تُطرح بعد رسمياً".
حزمة ديسمبر: تسليح باسم الردع ومصالح الشركات
وشملت حزمة تسليح تايوان التي أُعلن عنها في ديسمبر الماضي، أنظمة صواريخ "هيمارس" المتطورة من إنتاج شركة "لوكهيد مارتن"، إلى جانب طائرات مسيّرة انتحارية من طراز Altius، في نموذج متكرر لاستخدام تايوان كسوق مفتوحة للسلاح الأميركي، تحت شعار "الدفاع"، بينما تتحول الجزيرة عملياً إلى منصة متقدمة لمواجهة بكين.
وتواصل الولايات المتحدة تقديم نفسها بوصفها "الضامن الأمني" لتايوان، رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية، في سياسة انتقائية تهدف إلى استفزاز الصين دون تحمّل كلفة المواجهة المباشرة، مع تحميل تايوان تبعات أي تصعيد محتمل.
غضب صيني.. وواشنطن تشعل التوتر
في المقابل، أثارت صفقات تسليح تايوان غضباً صينياً واسعاً، إذ تعتبر بكين الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وردّت بإجراء مناورات عسكرية واسعة النطاق حول تايوان في أواخر ديسمبر، بالتزامن مع انتقادات حادة لواشنطن التي تُتهم بدفع المنطقة نحو سباق تصعيد خطير.
ويكشف هذا المشهد أن واشنطن لا تلعب دور "الوسيط"، بل الطرف الذي يسكب الزيت على النار، مستثمرةً التوترات الإقليمية لتعزيز نفوذها العسكري والاقتصادي في شرق آسيا.
إنفاق دفاعي تحت ضغط أميركي
وفي السياق ذاته، أعلن الرئيس التايواني لاي تشينج تي، في نوفمبر الماضي، عن خطة إنفاق دفاعي إضافية بقيمة 40 مليار دولار حتى عام 2033، مؤكداً أن بلاده "مصممة على الدفاع عن نفسها"، في خطاب يتقاطع بشكل واضح مع الضغوط الأميركية المتزايدة على حلفائها لرفع ميزانياتهم العسكرية.
غير أن هذه الخطة اصطدمت بمعارضة داخل البرلمان، حيث ترفض القوى المعارضة تمريرها إلى مرحلة المراجعة، معتبرة أن تفاصيل الإنفاق غير واضحة، ومُحذّرة من تحوّل الدفاع إلى عبء اقتصادي طويل الأمد على المجتمع التايواني.
جدل داخلي.. وواشنطن تضغط من الخلف
وأشار نائب وزير الدفاع إلى أن وزير الدفاع ويلينجتون كو سيقدم إحاطة سرية لأعضاء البرلمان، في محاولة لاحتواء الخلافات الداخلية، قائلاً: "لسنا غير راغبين في الشرح، هذا ليس صندوقاً أسود".
في المقابل، لم تُخفِ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمها الصريح لخطط تسليح تايوان وزيادة إنفاقها العسكري، في إطار نهج أميركي أوسع يقوم على تحميل الحلفاء كلفة المواجهة، بينما تحتفظ واشنطن بحق إدارة الصراع عن بُعد.
تايوان في قلب لعبة الردع الأميركية
وختم هسو تصريحاته بالتأكيد على أن بلاده ترى نفسها مضطرة لزيادة الإنفاق العسكري في ظل ما وصفه بتعاظم التهديدات، في إشارة مباشرة إلى الصين، لكن المشهد الأوسع يعكس أن تايوان باتت عالقة في معادلة ردع صاغتها واشنطن، حيث يتقدّم السلاح الأميركي على أي مسار سياسي لخفض التوتر.
وبذلك، لم يعد تسليح تايوان خياراً دفاعياً بحتاً، بل تحوّل إلى أداة أميركية لتكريس النفوذ وإدامة التوتر في شرق آسيا، ضمن صراع نفوذ متصاعد تدفع ثمنه الأطراف الإقليمية، بينما تحصد واشنطن مكاسبها الاستراتيجية والاقتصادية.










