في الوقت الذي تعج فيه منصات التواصل الاجتماعي بمحتوى "الاستعراض" والرفاهية الزائفة، خرج شاب عراقي وهو طالب في المرحلة الاعدادية ليعطي درساً في "الرجولة الحقيقية" والكفاح، لكنه بدلاً من أن يلقى الدعم والتشجيع، واجه سيلاً من التنمر القاسي الذي طال صوته وشكله وحتى "مهنته" التي يرتزق منها.
قصة كفاح خلف الرفوف
القصة بدأت بانتشار مقاطع فيديو لشاب يعمل في بيع المستلزمات المنزلية، ويمارس في الوقت ذاته مهنة "الخياطة والحياكة" اليدوية. الشاب الذي بدا "عصامياً" بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وجد نفسه مضطراً لتصوير فيديو ليس لعرض بضاعته هذه المرة، بل للدفاع عن كرامته الإنسانية بعد أن تحولت التعليقات على "بثوثه" المباشرة إلى ساحة للتجريح.
بين لقمة الحلال وسياط "المتنمرين".. شاب عراقي يُواجه "الخناجر الرقمية" pic.twitter.com/S1NBWKRDNw
— 180 درجة - تحقيقات (@180news180) January 15, 2026
يقول الشاب في مقطع فيديو مؤثر عبر صفحته ( أعمال عون ) ، وقد غلب على نبرة صوته مزيج من الألم والتحدي: "تتنمرون عليّ لأنني أبيع المواعين؟ أم لأنني أخيط وأحيك؟ هل العيب في كدحي أم في مد اليد للآخرين؟". وتابع مشيراً إلى أن الأنبياء والرسل، وعلى رأسهم النبي محمد (ص)، عملوا في مهن بسيطة كراعي غنم، مؤكداً أن العمل – مهما كان نوعه – هو شرف لصاحبه.
ضريبة "الاختلاف" في الفضاء الرقمي
لم يتوقف التنمر عند حدود المهنة، بل طال تفاصيل خِلقية، من نظاراته الطبية إلى نبرة صوته التي وصفها البعض بـ"الناعمة"، في محاولة لتقويض ثقته بنفسه. هذه "الخناجر الرقمية" تسلط الضوء على ظاهرة خطيرة بدأت تنهش في جسد المجتمع، وهي محاكمة الأفراد بناءً على قوالب نمطية جامدة، وتجاهل قيمتهم الحقيقية وما يقدمونه من جهد.
أن تقييد قيمة الرجولة التي تعتبر بمعايير الشرف والعمل والكرامة وليس بالمظهر والصوت الخشن وامتلاك علامات الذكورة وهذه إهانة لذكاء الرجل وقدراته الإنسانية. الرجولة الحقيقية هي "رحلة نضج" مستمرة، تبدأ من التحرر من الأوهام الاجتماعية لتصل إلى جوهر الصدق مع النفس والمسؤولية تجاه الآخرين.
الوجه القانوني: هل التنمر "حرية رأي" أم "جريمة"؟
يعتقد الكثير من المتنمرين أن خلف الشاشة "حصانة"، لكن القوانين العربية (والعراقية خاصة) بدأت تضيق الخناق على هذه السلوكيات:
- القانون العراقي (قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969):
• القذف والسب (المواد 433 و434): يعاقب القانون العراقي بالحبس أو الغرامة كل من رمى غيره بجريمة أو عيب يخدش شرفه أو كرامته. إذا وقع هذا السب علانية (مثل وسائل التواصل الاجتماعي)، تعتبر عقوبته أشد.
• الإهانة (المادة 435): تنطبق على الكلمات التي تمس كرامة الشخص وتوجه إليه بشكل مباشر أو عبر وسيلة نشر.
- قانون جرائم المعلوماتية (المسودة والعمل الحالي):
• تتجه التشريعات الحديثة لتجريم "التشهير الإلكتروني" و"المضايقة الرقمية". استخدام الأجهزة الإلكترونية (موبايل، حاسبة) للقيام بفعل التنمر يعد ظرفاً مشدداً لأن الضرر ينتشر لآلاف الناس في ثوانٍ.
- المواثيق الدولية:
• تنص المادة (12) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه: "لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة... ولا لحملات تمس شرفه وسمعته، وللإنسان الحق في حماية القانون من مثل ذلك".
تضامن واسع وسط مطالبات بالردع
وفور انتشار الفيديو، انطلقت موجة تضامن واسعة من قبل ناشطين ومؤثرين، الذين أطلقوا وسوماً تدعم الشاب، مؤكدين أن "الرجولة" تقاس بالمسؤولية والقدرة على مواجهة مصاعب الحياة، لا بنبرة الصوت أو شكل الثياب.
ويرى مختصون في علم النفس والأجتماع أن هذا الشاب يمثل نموذجاً لجيل يحاول شق طريقه في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وأن التنمر عليه لا يستهدفه شخصياً فحسب، بل يستهدف "قيمة العمل" في المجتمع، مما قد يدفع الشباب الآخرين للعزوف عن المهن اليدوية خوفاً من نظرة المجتمع.
إن قصة هذا الشاب ليست مجرد "تريند" عابر، بل هي صرخة في وجه كل من يستسهل جرح الآخرين خلف الشاشات. هي دعوة لإعادة الاعتبار للمهن اليدوية، ودعم كل يد تتعب لتعيش بكرامة.








