يترقّب الشارع الفلسطيني، ومعه دوائر إقليمية ودولية، عقد أول اجتماع للجنة الوطنية تتولى إدارةغزة برئاسة علي شعث في القاهرة، في لحظة شديدة الحساسية تأتي بعد أكثر من عامين من حرب إبادة مفتوحة، وانهيار شبه كامل للبنية الإدارية والإنسانية في القطاع، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي في فرض وقائع قسرية على الأرض، رغم الحديث المتكرر عن مراحل تهدئة واتفاقات غير مستقرة.
الاجتماع المرتقب لا يُقرأ فقط بوصفه خطوة تنظيمية أو إدارية، بل يُنظر إليه باعتباره محاولة لإعادة ترتيب المشهد الغزي من بوابة “إدارة مدنية بديلة”، في ظل فراغ سلطوي فعلي، وانقسام سياسي عميق، وضغوط أمريكية وإسرائيلية لإنتاج صيغة حكم لا تمر عبر المقاومة ولا تُعيد الاعتبار الكامل للوحدة الفلسطينية.
لجنة إدارة غزة
تأتي لجنة إدارة غزة في لحظة فلسطينية شديدة الاضطراب، تتقاطع فيها حرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر 2023، والانهيار شبه الكامل للبنية الإدارية والخدمية في القطاع، مع ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة لإنتاج “حل إداري” يتعامل مع غزة بوصفها أزمة إنسانية منفصلة عن جوهر الصراع مع الاحتلال. في هذا السياق، لا يمكن فصل الحديث عن اللجنة عن البيئة السياسية التي أُنتجت فيها، ولا عن محاولات إعادة هندسة الواقع الفلسطيني تحت عناوين التهدئة وإعادة الإعمار.
ظهور اللجنة لم يكن نتاج مسار وطني تراكمي أو حوار فلسطيني شامل، بل جاء نتيجة فراغ فعلي فرضته الحرب، وترافق مع حراك دبلوماسي تقوده أطراف إقليمية، وبدعم أمريكي غير معلن، يهدف إلى إيجاد صيغة إدارة “مقبولة دوليًا”، دون الاصطدام المباشر مع الاحتلال أو الاعتراف بنتائج المعركة السياسية التي فرضتها المقاومة.
صلاحيات اللجنة: إدارة بلا سيادة
من الناحية العملية، تُقدَّم لجنة إدارة غزة بوصفها هيئة تكنوقراطية مؤقتة، مهمتها الأساسية إدارة الشأن المدني والإنساني في القطاع. وتشمل صلاحياتها، وفق ما تسرّب عبر مصادر دبلوماسية وتقارير إعلامية، الإشراف على توزيع المساعدات، التنسيق مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، إدارة ملفات الإيواء والصحة والغذاء، والمشاركة في ترتيبات التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
غير أن هذه الصلاحيات، على اتساعها الظاهري، تظل محكومة بقيود جوهرية؛ إذ لا تمتلك اللجنة أي سلطة سيادية حقيقية، ولا تتحكم في المجال الأمني، ولا تملك قرار المعابر بشكل مستقل، خصوصًا في ظل استمرار التحكم الإسرائيلي المباشر أو غير المباشر في حركة الأفراد والبضائع. وبذلك، تبدو اللجنة أقرب إلى “إدارة أزمة” منها إلى سلطة حكم، تعمل داخل هامش ضيق رسمته موازين القوة والاشتراطات الدولية.
إشكالية الشرعية: غياب التفويض الوطني
الملف الأخطر الذي يلاحق لجنة إدارة غزة هو ملف الشرعية. حتى الآن، لا تستند اللجنة إلى تفويض واضح من منظمة التحرير الفلسطينية، ولا إلى قرار صادر عن المجلس الوطني أو المركزي، كما لم تُبنَ على توافق وطني جامع يشمل الفصائل الرئيسية، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، اللتان تمثلان ثقلًا سياسيًا وميدانيًا لا يمكن تجاوزه في غزة.
وبحسب محللين فلسطينيين، فإن أي كيان إداري لا ينبثق من توافق وطني حقيقي، سيُنظر إليه باعتباره جسمًا مفروضًا من الخارج، مهما كانت نواياه الإنسانية. فالشرعية في الحالة الفلسطينية ليست إجراءً شكليًا، بل شرط بقاء، خصوصًا في بيئة مقاومة ترى في أي إدارة بديلة محاولة للالتفاف على نتائج الصمود والمواجهة.
تزداد هذه الإشكالية تعقيدًا في ظل سعي أطراف دولية إلى فصل “الإدارة الإنسانية” عن “التمثيل السياسي”، وكأن معاناة غزة يمكن إدارتها تقنيًا دون الاعتراف بحقوقها الوطنية أو تحميل الاحتلال مسؤولية الجريمة المستمرة.
الأثر على المشهد الفلسطيني
وجود لجنة لإدارة غزة يترك أثرًا مباشرًا على المشهد الفلسطيني الداخلي. فمن جهة، قد تُساهم في تخفيف جزء من الكارثة الإنسانية، وتوفير حد أدنى من التنظيم في ظل الفوضى والدمار. لكن من جهة أخرى، يحمل هذا الكيان خطر تكريس فصل إداري وسياسي بين غزة والضفة الغربية، بما يخدم الرؤية الإسرائيلية القديمة–الجديدة القائمة على التعامل مع غزة ككيان مستقل وظيفيًا، ومعزول سياسيًا.
وتحذر أوساط فلسطينية من أن تتحول اللجنة، بمرور الوقت، إلى أداة “تطبيع إنساني” مع الاحتلال، حيث تُدار حياة السكان تحت الحصار، بينما يُرفع عن إسرائيل عبء المسؤولية القانونية والأخلاقية بصفتها قوة احتلال، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
كما أن تجاوز الفصائل أو تحييدها عبر لجنة تكنوقراط قد يُعمّق الانقسام الداخلي، ويخلق حالة من الصراع الصامت على الشرعية والتمثيل، في وقت يحتاج فيه الفلسطينيون إلى أعلى درجات الوحدة السياسية لمواجهة مشاريع التصفية.
البعد الإقليمي والدولي: إدارة لا حل
وفقًا لتقارير غربية، ترى الولايات المتحدة في لجنة إدارة غزة مخرجًا عمليًا من المأزق الحالي، يسمح باستمرار وقف إطلاق النار دون الانخراط في مسار سياسي شامل. هذا التوجه ينسجم مع السياسة الأمريكية التقليدية التي تُدير الصراع بدل حله، وتمنح الاحتلال الوقت لإعادة ترتيب أوراقه.
أما إقليميًا، فتسعى بعض الدول إلى دعم اللجنة باعتبارها أداة استقرار مؤقت، خشية انفجار إنساني واسع قد يمتد تأثيره خارج حدود غزة. لكن هذا الدعم يظل مشروطًا بعدم تحوّل اللجنة إلى كيان سياسي مستقل أو منصة مقاومة، وهو ما يعكس حدود المقبول دوليًا للفلسطينيين.









