يُستعمل لفظ «سبحان» للدلالة على التنزيه المطلق، فالله سبحانه وتعالى منزّه عن كل نقص وعيب، ومتصف بجميع صفات الكمال والجلال. وقد تفرّد عزّ وجلّ بالكمال في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا يعتريه نقص بوجه من الوجوه. أمّا قول «سبحان الله» فهو في أصله أمر بالتسبيح، أي تنزيه الله وتعظيمه، وكأن المعنى: سبّحوا الله تعالى ونزّهوه عمّا لا يليق بجلاله.
وقد رُوي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن كل تسبيح ورد في القرآن الكريم يدخل في معنى الصلاة، لما يحمله من تعظيم وخضوع لله تعالى. كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إن لفظ «سبحان الله» اسمٌ لا يجوز إطلاقه على أي مخلوق، لما يتضمنه من دلالة على التنزيه المطلق، وهو خاص بالله وحده. ومعنى التسبيح في جوهره تعظيم الله وتقديسه وتنزيهه عن كل سوء.
وعندما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى «سبحان الله»، بيّن أن المقصود بها براءة الله تعالى من كل نقص أو عيب. فالله سبحانه وتعالى كامل الكمال في أسمائه وصفاته وأفعاله؛ فأسماؤه كلها حسنى لا يوجد أحسن منها، وصفاته عليا لا يعلوها شيء، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وقال أيضاً: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، أي إن وصفه كامل لا نقص فيه.
أما أفعال الله عز وجل فهي قائمة على الحكمة المطلقة، فما من فعل يفعله إلا وهو لحكمة بالغة، وهو سبحانه منزه عن العبث واللعب والباطل، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾. وبناءً على ذلك، فإن التسبيح يتضمن تنزيه الله تعالى عن كل نقص وعيب، ويُعد أصلاً عظيماً من أصول الدين، وركناً أساسياً من أركان الإيمان بالله عز وجل.

التسبيح "سبحان الله" في القرآن الكريم
تحظى كلمة «سبحان الله» بمكانة عظيمة في الإسلام، إذ تُعد من أشرف الأذكار وأعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه. وقد ورد ذكر التسبيح وبيان فضله في عدد كبير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، حتى يصعب حصرها لكثرتها وتنوعها.
فقد ورد التسبيح في القرآن الكريم في ما لا يقل عن ثمانين موضعاً، وبصيغ متعددة؛ فمنها ما جاء بصيغة الأمر، كقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
ومنها ما ورد بصيغة المضارع، كقوله تعالى:
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.
كما جاء التسبيح بلفظ المصدر، مثل قوله سبحانه:
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقد افتتح الله تعالى ثماني سور من القرآن الكريم بالتسبيح، ومن أبرزها سورة الإسراء، حيث قال عز وجل:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
أوقات التسبيح ومواضعه
يُشرع للمسلم تسبيح الله تعالى في مواضع متعددة، ثبتت بأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية، ومن ذلك:
التسبيح أثناء الصلاة وبعدها:
يبدأ المسلم صلاته بالتسبيح، كما ورد في دعاء الاستفتاح:
«سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك».
كما يشرع التسبيح في الركوع والسجود، وأثناء قيام الليل. وبعد الفراغ من الصلاة، يُسنّ أن يسبّح المسلم الله ثلاثاً وثلاثين مرة، ويحمده ثلاثاً وثلاثين مرة، ويكبره ثلاثاً وثلاثين مرة، ويختمها بقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له…، لما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه مغفرة الذنوب ولو كانت مثل زبد البحر.
التسبيح في الصباح والمساء:
وقد دلّ على ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية، قال تعالى:
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾.
كما ورد في الحديث الشريف أن من قال: «سبحان الله وبحمده» مئة مرة صباحاً ومساءً، لم يأتِ أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا من قال مثل قوله أو زاد عليه.
التسبيح عند التعجب:
إذا رأى المسلم أمراً غير مألوف أو سمع ما يثير العجب، شُرع له أن يقول «سبحان الله»، وقد ثبت ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه حين تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من ظنه أن الجنب لا يجالس الناس، فقال: «سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس».
التسبيح عند القيام من المجلس:
ويُستحب للمسلم أن يختم مجلسه، خاصة إذا كثر فيه اللغو، بقول:
«سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، لما في ذلك من تكفير لما وقع في المجلس من خطأ أو لغو، كما ورد في الحديث الصحيح.










