ودّع منتخب مصر بطولة كأس أمم إفريقيا 2025 من الدور نصف النهائي بهزيمة أمام السنغال بهدف دون رد، في مباراة كشفت بوضوح حجم التراجع الفني والذهني للفراعنة تحت قيادة حسام حسن. الخسارة لم تكن مجرد نتيجة عابرة في بطولة صعبة، بل جاءت كخلاصة منطقية لأداء افتقد الحد الأدنى من الفاعلية الهجومية، حيث لم يسجل المنتخب أول ضربة ركنية له إلا في الدقيقة 83، ولم يسدد أول كرة على مرمى السنغال إلا في الدقيقة 94، أي بعد فوات الأوان عمليًا.
هذا الأداء الباهت يتناقض جذريًا مع الخطاب المتفائل الذي تبناه المدير الفني حسام حسن عقب اللقاء، إذ حرص على تقديم المباراة باعتبارها مواجهة متكافئة حُسمت بتفصيلة صغيرة، متجاهلًا الفوارق الواضحة في التنظيم والضغط وصناعة الفرص. أمام منتخب بحجم السنغال، لم يبدُ منتخب مصر منافسًا حقيقيًا، بل فريقًا حذرًا إلى حد الشلل، عاجزًا عن المبادرة أو فرض أي نسق هجومي طوال 90 دقيقة.
أرقام تفضح الواقع
لغة الأرقام كانت أكثر صدقًا من أي تصريحات لحسام حسن، فهي كشفت مدى العجز الهجومي الذي رافق المنتخب في أهم اختبار له بالبطولة. الانتظار حتى الدقيقة 83 لتنفيذ أول ركنية، والدقيقة 94 لتسجيل أول تسديدة على المرمى، لا يمكن تبريره بالإجهاد أو سوء الحظ، بل يعكس خللًا واضحًا في الخطة والاختيارات وطريقة إدارة المباراة.
هذا العجز لم يكن وليد لحظة، بل امتدادًا لأداء متذبذب طوال البطولة، حيث اعتمد المنتخب على التحفظ الدفاعي والمراهنة على التفاصيل، دون بناء منظومة هجومية قادرة على خلق الضغط أو تهديد الخصوم. وفي نصف النهائي، حين تكون التفاصيل لصالح الأقوى فنيًا والأكثر جاهزية، جاء السقوط منطقيًا ومكشوفًا.
حسام حسن ومؤتمرات بلا إجابات
بدلًا من الاعتراف الصريح بالإخفاق الفني، لجأ حسام حسن إلى خطاب دفاعي قائم على تكديس الأعذار، بدءًا من ضغط المباريات، مرورًا بالإصابات، ووصولًا إلى الحديث عن عدم العدالة في توقيتات اللقاءات وتغيير أماكن الإقامة. ورغم تأكيده المتكرر أنه “لا يقدم أعذارًا”، فإن مجمل تصريحاته جاءت مغمورة بالأسباب الخارجية التي حاول تحميلها مسؤولية الخسارة.
الأكثر دلالة كان تعامله المتوتر مع أسئلة الصحفيين المغاربة، خاصة حين وُجه له سؤال مباشر حول ضعف الأداء الفني، وتأخر أول تسديدة وركنية، فلجأ إلى الهجوم الشخصي واتهام السؤال بعدم اللياقة، بدلًا من تقديم إجابة فنية تليق بحجم منتخب مصر. هذا السلوك عكس ضيقًا واضحًا من مواجهة الحقيقة، ومحاولة لتحويل النقاش من تقييم الأداء إلى سجال جانبي بلا قيمة فنية.
خطاب الإنجازات بدل النقد
اعتمد حسام حسن في أكثر من مناسبة على استدعاء التاريخ، متحدثًا عن ألقاب مصر السبعة، وعن “غيرة” البعض من المنتخب، وعن كونه فريقًا عظيمًا لا يضاهيه أحد. غير أن هذا الخطاب، وإن كان صالحًا للتحفيز المعنوي، لا يمكن أن يكون ستارًا لإخفاء إخفاقات الحاضر، ولا بديلًا عن النقد الفني الموضوعي.
المنتخبات لا تعيش على أمجادها، بل على ما تقدمه داخل الملعب، وما أظهرته مصر في نصف النهائي لا يمت بصلة إلى تاريخها القاري. التمسك بالرمزية والشعارات، دون معالجة حقيقية للأداء، يكرس الفجوة بين الاسم الكبير والمستوى المتراجع.
السنغال مرآة الفشل
الأخطر في الخسارة أمام السنغال أنها لم تأتِ نتيجة تفوق كاسح للمنافس، بل لأن منتخب مصر لم يحاول فعليًا. السنغال لم يُجبر على بذل مجهود استثنائي، ولم يواجه ضغطًا هجوميًا حقيقيًا، بل أدار المباراة بهدوء حتى سجل هدفًا وحافظ عليه أمام منتخب بلا أنياب.

الحديث عن أن الهدف جاء “بتوفيق” أو من “غير فرصة حقيقية” لا يصمد أمام حقيقة أن الفريق الذي لا يسدد ولا يهاجم لا يمكنه الادعاء بأنه كان الأجدر بالوصول إلى النهائي. الفشل هنا لم يكن في لقطة أو خطأ فردي، بل في غياب رؤية هجومية واضحة طوال اللقاء.
بين نيجيريا وكأس العالم
مع الاستعداد لمواجهة نيجيريا في مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع، حاول حسام حسن تقديم اللقاء باعتباره فرصة معنوية وفنية استعدادًا لكأس العالم. غير أن هذا الطرح يصطدم بسؤال جوهري: كيف يمكن اعتبار بطولة انتهت بأداء هجومي شبه معدوم “أفضل إعداد” للمونديال؟
المشكلة لم تكن في نتيجة واحدة، بل في مسار كامل اتسم بالحذر المبالغ فيه، وغياب الحلول، واللجوء المستمر للأعذار. وإذا لم يُفتح ملف التقييم بجدية، بعيدًا عن خطاب التبرير والمظلومية، فإن ما حدث أمام السنغال قد يتكرر أمام أي خصم قوي، في إفريقيا أو خارجها.









