المقدمة
في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، برزت "لجنة التكنوقراط" كآلية غير تقليدية لإعادة رسم المشهد السياسي الفلسطيني باسم الشرعية الدولية. لكن بدلًا من أن تكون أداة للإنقاذ الاقتصادي والسياسي، تحولت إلى منصة لإنتاج "شرعية تقنية" تُلبس بها عملية التطبيع ثوب الضرورة الإنسانية. تتقاطع في هذه اللجنة مصالح إسرائيلية-عربية، تُقدّم غزة كمختبر أولي، والسعودية والإمارات كضامن عربي مسبق لنتائج التجربة.
1. منطق الإنتاج العملياتي الاداري للشرعية
أ. التحويل من سياسي إلى إداري خدماتي إنساني
تُسقط اللجنة البُعد السياسي للقضايا الإنسانية (كهرباء، ماء، إعمار) وتُعيد صياغتها كمشكلات تقنية بحتة، ما يُسقط معه حقوقًا سيادية ويُحوّل التطبيع إلى متغيّر دخل في المعادلة التقنية الخدماتية.
ب. تقديم "خبراء" موالين للمنطق الإسرائيلي
عبر منح مقاعد قرار للتكنوقراط الفلسطينيين المرتبطين بالمنظمات الدولية، تُنتج اللجنة نخبة تُكرّس قاعدة "لا مشاريع بلا تنسيق أمني"، أي بلا تطبيع ضمني.
ج. الإنسنة المقلوبة
يُستخدم الإغاثة الإنسانية كغطاء لفرض شروط سياسية؛ فالمساعدة تُقدَّم مقابل "تهدئة طويلة" تُفضي إلى تثبيت الواقع الاحتلالي.
2. غزة: المختبر الأول
أ. الحصار كعامل تسريع
حاجة غزة الماسّة للكهرباء والمياه تجعلها ساحة مثالية لاختبار صيغة "التطبيع الإنساني" دون مواجهة شعبية واسعة في الضفة.
ب. نموذج "الكهرباء مقابل الهدوء"
تُعرض مشاريع الطاقة المشتركة كأمر فني، لكنها تُقيّد المقاومة بمعادلة بسيطة: وقف إطلاق النار مقابل ساعات إضافية من الكهرباء.
ج. التسلسل الزمني المرسوم
نجاح التجربة في غزة يُصدَّر إلى الضفة تحت شعار "ما نجح تقنيًا في القطاع يمكن تعميمه"، ما يُمهّد لتطبيع أوسع دون تصدّع داخلي فلسطيني فوري إنهاء أوسلو ومخرجاتها السلطة.
3. السعودية: الضامن المسبق في حال تقدمت في العلاقات مع إسرائيل
أ. التحالف الظرفي مع نتنياهو
الرياض لا تكتفي بدعم مشاريع التكنوقراط، بل تُقدّم لنتنياهو ورقة تطبيع عربية مسبقة تُستخدم لإيهام الرأي العام الإسرائيلي بأن "الجدار العربي" قد انهار.
ب. المقابل الجيوسياسي
مقابل هذه الورقة، تضمن السعودية موطئ قدم في غزة والضفة، وتُعزز مكانتها كصاحبة اليد العليا في أي ترتيب إقليمي مقبل في مواجهة النفوذ الاماراتي كما هو في اليمن والسودان.
ج. تدويل النفوذ بالوكالة
باعتماد خطاب التكنوقراط، تتنصل الرياض من تبعات السياسة، فتبدو وكأنها "راعٍ إنساني" لا طرفًا سياسيًا، ما يُخفف من رد الفعل الشعبي ويسمح لها بلعب دورا مرضيا عنه أمريكيا وإسرائيليا.
4. المآلات والمخاطر
أ. تثبيت الانقسام الفلسطيني
تُنتج اللجنة شرعية منفصلة لغزة والضفة، ما يُعمّق الانقسام ويُفقد أي مشروع وطني توحيدي زخمه.
ب. تحويل التطبيع من خيار إلى ثمن تقني
بمجرد أن يُقبل المنطق التقني، يصبح التطبيع كلفة ثابتة لا قابلية للتفاوض عليها، تمامًا كفاتورة الكهرباء.
ج. تفريغ المقاومة من شرعيتها الاجتماعية
إذا ما ارتبطت أية عملية مقاومة بانقطاع الكهرباء أو المياه، تُفقد المقاومة تضامنها الشعبي وتُصبح هي الطرف المُعطِّل لا المحتل.
الخاتمة
لجنة التكنوقراط ليست مجرد آلية إدارية، بل مشروع تحويل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي من صراع سيادي إلى صراع خدماتي، يُدار عبر جداول إكسل لا اجتماعات قمة. وما لم تُفَضَّح آليات إنتاجه التقني وتُعرَى أطرافه المستفيدة، فإن التطبيع سيدخل من الباب الخلفي مُغلّفًا بعباءة الإنقاذ الإنساني، تاركًا الفلسطينيين في مواجهة احتلال مُقنّع بشرعية دولية-عربية.
وتضع أمام المقاومة مهمة جديدة معالجة النتائج السلبية لـ 7 أكتوبر على المدى البعيد، تقدم ملف التطبيع الاسرائيلي السعودي ت-كل البعد الوطني السيادي والصراع مع الاحتلال الإسرائيلي وسلبية التدويل عبر إدارة الولايات المتحدة.










