تشهد الولايات المتحدة في الشهور الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق في الاشتباكات بين وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) ومواطنين أمريكيين، في مشهد يعكس تحوّل سياسات إنفاذ الهجرة إلى مصدر تهديد مباشر للسلم الداخلي وحقوق الإنسان. هذه المواجهات لم تعد محصورة في مداهمات ضد مهاجرين غير نظاميين، بل امتدت إلى شوارع ومدن كبرى، وعلى رأسها مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، حيث تحولت عمليات الوكالة إلى احتكاكات مفتوحة مع السكان، شملت استخدام القوة المفرطة، وإطلاق النار، واعتقالات عشوائية.
التصعيد جاء في سياق توسّع عمليات وكالة الهجرة خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعاد إحياء خطاب “القبضة الحديدية” ضد الهجرة، مانحًا الوكالة صلاحيات ميدانية واسعة. غير أن هذه الصلاحيات، بدل أن تقتصر على ضبط الحدود، انفجرت داخليًا في صورة اشتباكات مع مواطنين أمريكيين، واحتجاجات شعبية، وسقوط قتلى، ما فتح نقاشًا واسعًا حول طبيعة الدولة الأمريكية نفسها، وحدود سلطتها على مواطنيها.
مينيابوليس كنقطة انفجار
مثّلت حادثة مقتل المواطنة الأمريكية رينيه نيكول غود، البالغة من العمر 37 عامًا، في يناير 2026، لحظة فارقة في مسار الأزمة. غود قُتلت برصاص أحد عناصر وكالة الهجرة خلال عملية ميدانية في مينيسوتا، في واقعة أثارت صدمة واسعة، ليس فقط بسبب سقوط قتيلة، بل لأن القاتل جهة فيدرالية يفترض أنها معنية بإنفاذ القانون لا بتصفيه المواطنين. الرواية الرسمية للوكالة حاولت تصوير الضحية كطرف خطر، إلا أن شهادات شهود العيان وتقارير إعلامية أمريكية شككت في هذه المزاعم، وأكدت أن الحادثة تعكس نمطًا متكررًا من الاستخدام المفرط للقوة.

عقب الحادثة، اندلعت احتجاجات واسعة في مينيابوليس، قوبلت بتدخل أمني عنيف من وكالة الهجرة وقوات أخرى، شمل استخدام الغاز المسيل للدموع واعتقالات بحق محتجين، بعضهم من مواطني الولايات المتحدة. هذا المشهد أعاد إلى الأذهان صور قمع الاحتجاجات في دول لطالما انتقدتها واشنطن، وطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت وكالة الهجرة تحولت إلى جهاز أمني فوق المحاسبة.
وكالة الهجرة: عنف مؤسسي ممنهج
الواقعة لم تكن استثناءً، بل جاءت ضمن سياق أوسع من التصعيد، حيث وثّقت منظمات حقوقية أمريكية، بينها الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، تزايد حالات العنف داخل مراكز الاحتجاز وخارجها، وارتفاع أعداد القتلى والمصابين خلال عمليات الوكالة. تقارير حقوقية تحدثت عن احتجاز مواطنين أمريكيين عن طريق الخطأ، واعتداءات جسدية، وممارسات تنطوي على تمييز عرقي، خصوصًا بحق مجتمعات السود واللاتينيين.
هذا السلوك يعكس تحوّل وكالة الهجرة من جهاز إداري إلى قوة شبه عسكرية، تعمل بمنطق “العدو الداخلي”، دون اكتراث كافٍ بالضمانات الدستورية أو الحقوق المدنية. الأخطر أن هذه الممارسات تتم في ظل غطاء سياسي واضح، حيث دافع البيت الأبيض مرارًا عن الوكالة، واعتبر انتقاداتها جزءًا من “حملة سياسية” ضد الإدارة، بدلًا من التعامل معها كأزمة حقوق إنسان داخلية.
مشادة داخل البيت الأبيض
التوتر بلغ ذروته داخل قاعة المؤتمرات الصحفية في البيت الأبيض، عندما دخلت المتحدثة باسم البيت الأبيض في مشادة علنية مع أحد الصحفيين، عقب سؤاله عن مقتل رينيه غود ودور وكالة الهجرة في الحادثة. الصحفي استند إلى أرقام وتقارير عن ارتفاع أعداد القتلى داخل عمليات الوكالة، إلا أن الرد جاء هجوميًا، حيث اتهمته المتحدثة بالتحيز، ووصفت سؤاله بأنه سياسي لا مهني.
هذه المشادة لم تكن مجرد انفعال عابر، بل عكست استراتيجية رسمية قائمة على نزع الشرعية عن أي مساءلة إعلامية، وتحويل النقاش من جوهر الانتهاكات إلى اتهام الصحافة بالعداء. وهو سلوك يعزز الانطباع بأن الإدارة الأمريكية تفضّل الدفاع عن أجهزتها الأمنية، مهما بلغت انتهاكاتها، على حساب الحق في المعرفة والمحاسبة.
قيود قضائية متزايدة
في مقابل هذا الانفلات التنفيذي، بدأت السلطة القضائية الأمريكية في التحرك لكبح صلاحيات وكالة الهجرة، عبر سلسلة من القرارات التي حدّت من قدرتها على التصرف دون رقابة. محاكم فيدرالية أصدرت أوامر تمنع الوكالة من استهداف المحتجين أو استخدام القوة ضد تجمعات سلمية، وألزمتها باحترام إجراءات قانونية، مثل توفير جلسات كفالة للمحتجزين بدل الاحتجاز المفتوح.
هذه الأحكام تعكس قلقًا متناميًا داخل المؤسسة القضائية من تحوّل وكالة الهجرة إلى كيان يتجاوز الدستور، إلا أنها في الوقت ذاته تكشف حجم الأزمة، إذ بات القضاء مضطرًا للتدخل بشكل متكرر لضبط جهاز تنفيذي يفترض أنه يعمل أصلًا ضمن إطار القانون. كما أن تنفيذ هذه الأحكام يظل محل جدل، في ظل اتهامات للوكالة بالتحايل أو المماطلة.
تآكل منظومة الحقوق
ما يجري داخل الولايات المتحدة اليوم يشير إلى تآكل واضح في منظومة حقوق الإنسان، حيث بات المواطن الأمريكي نفسه عرضة لانتهاكات أجهزة فيدرالية، دون ضمانات كافية للمساءلة. الاعتقالات العشوائية، إطلاق النار، الاحتجاز دون مبررات واضحة، كلها ممارسات تقوّض الأساس الذي طالما تباهت به واشنطن بوصفها “دولة قانون”.
الخطير أن هذا التآكل لا يُقدَّم كحالة طوارئ مؤقتة، بل كجزء من سياسة عامة تُسوَّق باسم “الأمن” و”حماية الحدود”، ما يفتح الباب أمام تطبيع الانتهاكات، وتحويلها إلى واقع دائم. وفي هذا السياق، تبدو وكالة الهجرة نموذجًا صارخًا لكيف يمكن لجهاز أمني أن يتحول إلى أداة بطش داخلي.
ازدواجية الخطاب الأمريكي
المفارقة الكبرى أن هذا الانهيار الداخلي يتزامن مع استمرار الخطاب الأمريكي المتشدد بشأن حقوق الإنسان في الخارج. واشنطن لا تتوقف عن إصدار تقارير سنوية تنتقد فيها دولًا أخرى، وتفرض عقوبات، وتبرر تدخلاتها الخارجية بذريعة حماية الحقوق والحريات. غير أن ما يجري داخل شوارعها اليوم يفرغ هذا الخطاب من مضمونه، ويحوّله إلى أداة سياسية انتقائية.
هذا التناقض لا يمرّ دون أثر، إذ بات يُستخدم دوليًا لتقويض المصداقية الأمريكية، خاصة في ملفات مثل فلسطين، وفنزويلا، وغيرها، حيث تتهم واشنطن خصومها بانتهاكات، بينما تغض الطرف عن بطش أجهزتها، أو عن دعمها لانتهاكات حلفائها. وهكذا، تتحول حقوق الإنسان من قيمة كونية إلى ورقة ضغط سياسية، تُستخدم في الخارج، وتُنتهك في الداخل.
أزمة بنيوية عميقة
ما تكشفه اشتباكات وكالة الهجرة مع المواطنين، والمشادات الإعلامية، والتدخلات القضائية، ليس مجرد أزمة عابرة، بل خلل بنيوي في العلاقة بين الدولة الأمريكية ومواطنيها. دولة ترفع شعار الحرية، لكنها تسمح لجهاز أمني بأن يطلق النار على مواطنة، ثم تدافع عنه سياسيًا، هي دولة تواجه أزمة هوية حقيقية.
في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة اليوم أمام اختبار داخلي صعب: إما إعادة ضبط أجهزتها الأمنية ضمن إطار حقوقي صارم، أو الاستمرار في مسار التصعيد، بما يحمله من مخاطر انفجار اجتماعي وفقدان ما تبقى من صورتها كـ”نموذج ديمقراطي”. وفي كلتا الحالتين، فإن ما يجري يكشف بوضوح أن خطاب الحقوق الأمريكي لم يعد ينسجم مع واقعه الداخلي، ولا مع سلوكه الخارجي.










