دخلت منطقة جنوب البحر الأحمر وخليج عدن مرحلة جديدة من التعقيد الجيوسياسي في مطلع عام 2026، عقب التهديدات المباشرة التي أطلقتها جماعة "أنصار الله" “الحوثيين” باستهداف أي تمركز عسكري أو استخباراتي إسرائيلي في إقليم "أرض الصومال" “صوماليلاند”.
هذه التهديدات لا تمثل مجرد تصعيد كلامي، بل تعكس تحولاً استراتيجياً في عقيدة الجماعة التي تسعى لمد نفوذها إلى الضفة الأفريقية من الممر الملاحي الدولي، مما يجعل "أرض الصومال" نقطة ارتكاز في صراع القوى الإقليمية.
"أرض الصومال" بين البحث عن الاعتراف والوقوع في الفخ

تجد حكومة "هرجيسا" نفسها في موقف حرج؛ فهي من جهة تسعى لجذب استثمارات دولية وتفاهمات أمنية مثل اتفاقها المثير للجدل مع إثيوبيا، للحصول على اعتراف دولي بسيادتها، ومن جهة أخرى تجد نفسها عرضة لهجمات من "فاعلين من غير الدول" مثل الحوثيين.
إن أي تقارب بين أرض الصومال وإسرائيل، سواء كان دفاعياً أو استخباراتياً، سيحول الإقليم إلى "صندوق بريد" للرسائل النارية بين طهران وتل أبيب، وهو ما قد يقوض طموحات الإقليم الاقتصادية ويحوله إلى ساحة حرب بالوكالة.
تحليل استقرار المنطقة يكشف عن ثلاثة مستويات من الصراع حيث تسعى إسرائيل لتأمين الملاحة وحماية سفنها من هجمات المسيرات، بينما تسعى إيران عبر وكلائها لإثبات قدرتها على إغلاق الممرات المائية من ضفتي البحر الأحمر.
ورغبة إثيوبيا في الوصول إلى البحر عبر "أرض الصومال" تزيد من حساسية الموقف، إذ قد يجد الحوثيون في عداء مقديشو لهرجيسا فرصة لبناء تحالفات تكتيكية، كما أن القوى الكبرى “أمريكا، الصين، وفرنسا” التي تمتلك قواعد في جيبوتي تراقب بحذر تحول الصراع إلى "عدوى عابرة للحدود" قد تهدد سلاسل التوريد العالمية بشكل غير مسبوق.
إن التهديدات الحوثية تضع الملاحة الدولية أمام "كماشة" أمنية؛ فإذا كان التهديد سابقاً ينطلق من الساحل اليمني فقط، فإنه اليوم يمتد ليشمل العمق الأفريقي، مما يعني ضرورة إعادة صياغة التحالفات الأمنية البحرية “مثل قوة حارس الازدهار” لتشمل حماية السواحل الأفريقية المقابلة لليمن.
يمثل التهديد الحوثي لـ "أرض الصومال" ذروة التداخل بين الملفات الإقليمية، حيث تلاشت الحدود الفاصلة بين صراعات الشرق الأوسط وأمن القارة الأفريقية.
إن هذا التحول ينذر بتحويل خليج عدن إلى "بؤرة استنزاف" دائمة، لا تتأثر فقط بالداخل اليمني، بل بكل حركة دبلوماسية أو عسكرية تحدث في هرجيسا أو أديس أبابا.
تكمن الخطورة الحقيقية في أن "أرض الصومال"، التي ظلت واحة مستقرة نسبياً مقارنة بمحيطها، قد تُدفع دفعاً لتكون جزءاً من "محور المقاومة" أو "محور الاستقرار" رغماً عنها.

كما أن استهداف الوجود الإسرائيلي المفترض هناك يعني نقل معركة الصواريخ والمسيرات إلى جغرافيا جديدة، مما يهدد الملاحة في واحد من أكثر الممرات حيوية في العالم. الاستقرار في هذا الإقليم لا يمكن أن يتحقق بالحلول العسكرية المنفردة، بل يتطلب رؤية إقليمية شاملة تحترم سيادة الدول وتنزع فتيل الصراع الأيديولوجي عن الممرات المائي










