20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

جرينلاند تشعل صراع القطب الشمالي.. ترامب يهدد بالرسوم وأوروبا تعزز وجودها العسكري

عاد القطب الشمالي إلى واجهة الصراع الجيوسياسي الدولي، بعدما جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأكيده أن سيطرة الولايات المتحدة على جزيرة جرينلاند تمثّل ضرورة للأمن القومي الأميركي

بقلم: شيماء مصطفى
١٧ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
6 مشاهدة
أشخاص يسيرون على طول الطريق في نوك بجرينلاند. 14 يناير 2026 - Reuters

أشخاص يسيرون على طول الطريق في نوك بجرينلاند. 14 يناير 2026 - Reuters

عاد القطب الشمالي إلى واجهة الصراع الجيوسياسي الدولي، بعدما جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأكيده أن سيطرة الولايات المتحدة على جزيرة جرينلاند تمثّل ضرورة للأمن القومي الأميركي، ملوّحاً باستخدام أدوات اقتصادية عقابية، من بينها فرض رسوم جمركية، على الدول التي تعارض هذا التوجه.

ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه المنطقة القطبية تنافساً متسارعاً بين القوى الكبرى، في ظل ذوبان الجليد، وفتح ممرات بحرية جديدة، وتزايد أهمية الموارد الطبيعية الاستراتيجية.

ترامب يلوّح بالعقوبات: الرسوم الجمركية كسلاح جيوسياسي

قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تدعم سيطرة الولايات المتحدة على جرينلاند، مؤكداً أن بلاده “تحتاج غرينلاند من أجل الأمن القومي”.
وجاءت تصريحات ترمب خلال فعالية غير مرتبطة بالسياسة الخارجية في البيت الأبيض حول الرعاية الصحية في المناطق الريفية، حيث استعاد أسلوبه التفاوضي القائم على الضغط الاقتصادي، مشيراً إلى أنه استخدم التهديد بالرسوم الجمركية سابقاً ضد الحلفاء الأوروبيين في ملف الأدوية، وقد يعيد استخدام الاستراتيجية نفسها في ملف جرينلاند.

هذا الطرح يعكس رؤية إدارة ترمب للـالقطب الشمالي بوصفه ساحة تنافس حيوي لا تقل أهمية عن شرق آسيا أو الشرق الأوسط، في ظل تنامي النفوذ الروسي والصيني في الدائرة القطبية.

مفاوضات فاشلة وخلافات عميقة

تأتي هذه التصريحات بعد فشل محادثات عقدت في واشنطن بين مسؤولين أميركيين ودنماركيين وجرينلانديين، شارك فيها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، إلى جانب وزيري خارجية الدنمارك وجرينلاند، ورغم الاتفاق على إنشاء مجموعة عمل مشتركة، فإن الخلافات الجوهرية لم تُحل، حيث قدّم كل طرف تفسيراً مختلفاً لطبيعة هذه المجموعة ودورها.

في حين تصر واشنطن على أن المحادثات تقنية تمهيداً لـ”اتفاق استحواذ”، ترى كوبنهاغن أن الهدف هو معالجة المخاوف الأمنية الأميركية دون المساس بسيادة مملكة الدنمارك على جرينلاند.

وزير خارجية الدنمارك لارس لوك راسموسن خلال حديث مع وسائل الإعلام عقب اجتماع مع أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي في مبنى الكابيتول، واشنطن، الولايات المتحدة، 14 يناير 2026. - REUTERS

أوروبا تتحرك عسكرياً: القطب الشمالي خط أحمر

رداً على التصعيد الأميركي، أعلنت الدنمارك تعزيز وجودها العسكري في جرينلاند بالتنسيق مع حلفائها، فيما بدأت دول أوروبية عدة، بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا والنرويج والسويد وهولندا، إرسال قوات رمزية أو الإعلان عن استعدادها لذلك، وتهدف هذه التحركات إلى إظهار وحدة الصف الأوروبي، وإيصال رسالة واضحة مفادها أن أمن القطب الشمالي يمكن حمايته جماعياً ضمن إطار حلف شمال الأطلسي، دون الحاجة إلى سيطرة أميركية منفردة.

وأكدت باريس وصول عناصر عسكرية فرنسية بالفعل إلى العاصمة نوك، بينما أعلنت برلين نشر فريق استطلاع عسكري، فيما تحدثت كوبنهاغن عن نيتها إقامة وجود عسكري دائم وأكثر اتساعاً.

البيت الأبيض يتمسك بخيار السيطرة

رغم التحركات الأوروبية، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن هذه التطورات لا تؤثر على موقف الرئيس الأميركي، الذي يعتبر أن امتلاك جرينلاند يصب مباشرة في مصلحة الأمن القومي الأميركي، ويعزز مكانة حلف الناتو في مواجهة روسيا والصين في القطب الشمالي.

ويصر ترامب على أن جميع الخيارات مطروحة، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، وهو ما أثار قلقاً واسعاً في العواصم الأوروبية، بسبب خطورة السابقة القانونية والسياسية التي قد يخلقها ذلك داخل التحالف الغربي.

جرينلاند ترفض: لسنا للبيع

في مواجهة هذه الضغوط، شدد رئيس وزراء جرينلاند ينس-فريدريك نيلسن على أن بلاده ليست للبيع، ولا ترغب في أن تُحكم من واشنطن أو أن تصبح جزءاً من الولايات المتحدة، وأكد أن الخيار الواضح هو البقاء ضمن مملكة الدنمارك، والالتزام بحلف الناتو، والانتماء إلى الإطار الأوروبي.

وأعرب سكان جرينلاند عن قلقهم من التصعيد، رغم ترحيبهم باستمرار الحوار الدبلوماسي والدعم الأوروبي، معتبرين أن التهديد الحقيقي لا يأتي من روسيا أو الصين، بل من الضغوط الأميركية نفسها، المرتبطة بالثروات المعدنية والنفطية غير المستغلة في أراضيهم.

القطب الشمالي والموارد الاستراتيجية: جوهر الصراع

تمتلك جرينلاند احتياطيات ضخمة غير مستغلة من المعادن النادرة، الضرورية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة والدفاع والطاقة المتجددة.
ومع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، باتت هذه الموارد أكثر قابلية للاستثمار، إلى جانب فتح ممرات شحن جديدة تقلص زمن النقل بين آسيا وأوروبا، ما يفسر تصاعد التنافس الدولي على المنطقة.

ويرى مراقبون أن الخطاب الأمني الأميركي يخفي في جوهره صراعاً اقتصادياً واستراتيجياً أوسع على مستقبل النفوذ العالمي في الدائرة القطبية.

الرأي العام الأميركي: رفض واسع لمغامرات خارجية جديدة

في الداخل الأميركي، أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة CNN أن 75% من الأميركيين يعارضون محاولة السيطرة على جرينلاند، بينهم 52% يعارضونها بشدة، وانقسم الجمهوريون بالتساوي، بينما أبدى 94% من الديمقراطيين رفضهم لهذا التوجه.

كما أظهر الاستطلاع تشككاً واسعاً في التوسع الأميركي الخارجي، سواء في جرينلاند أو فنزويلا أو إيران، مع قلق متزايد من أن تؤدي هذه السياسات إلى تورط عسكري طويل الأمد، يعكس إرهاقاً شعبياً من سياسات القوة.

روسيا والصين في الحسابات القطبية

في تعليق لافت، هاجمت السفارة الروسية في بروكسل التحركات الغربية، ووصفتها بأنها “خطط عدوانية” قائمة على تهديدات وهمية، مؤكدة أن موسكو تدعو إلى إبقاء القطب الشمالي منطقة سلام وتعاون متكافئ، ويرى محللون أن هذا التراشق يعكس إدراك القوى الكبرى بأن القطب الشمالي بات ساحة صراع مفتوحة على النفوذ، لا تقل أهمية عن بحر الصين الجنوبي.

القطب الشمالي ساحة الصراع القادم

تكشف أزمة جرينلاند أن القطب الشمالي لم يعد هامشاً جغرافياً، بل أصبح مركزاً للتنافس الدولي بين الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين، وإصرار واشنطن على السيطرة، مقابل تمسك أوروبا بالسيادة الدنماركية، ورفض الجرينلانديين، يعكس تحوّل المنطقة إلى اختبار حقيقي لتماسك التحالف الغربي، ولحدود القوة الأميركية في عالم يتجه نحو تعددية قطبية متسارعة.

في المحصلة، يبدو أن الصراع على جرينلاند ليس سوى عنوان أولي لمعركة جيوسياسية أوسع ستحدد شكل النظام الدولي في العقود المقبلة، حيث يتقاطع الأمن، والاقتصاد، والمناخ، والموارد، في قلب القطب الشمالي.

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

جرينلاند تشعل صراع القطب الشمالي.. ترامب يهدد بالرسوم وأوروبا تعزز وجودها العسكري - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°