4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

من الطبقة إلى الغارات الجوية: كيف توظّف واشنطن “مكافحة الإرهاب” لتبرير الفوضى بسوريا؟

أعادت التطورات الأخيرة في مدينة الطبقة شمال سوريا فتح ملف الدور الأمريكي في المنطقة، بعد تصاعد الإدانات المحلية والشعبية لعمليات إعدام أسرى

بقلم: سماح عثمان
١٨ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
21 مشاهدة
كيف توظّف واشنطن “مكافحة الإرهاب” لتبرير الفوضى بسوريا؟

كيف توظّف واشنطن “مكافحة الإرهاب” لتبرير الفوضى بسوريا؟

أعادت التطورات الأخيرة في مدينة الطبقة شمال سوريا فتح ملف الدور الأمريكي في المنطقة، بعد تصاعد الإدانات المحلية والشعبية لعمليات إعدام أسرى، تزامنًا مع مطالبة القيادة العسكرية الأمريكية “سنتكوم” بوقف الهجمات، في مشهد يعكس تناقضًا صارخًا بين الخطاب المعلن لواشنطن حول “مكافحة الإرهاب”، والوقائع الميدانية التي تُنتج مزيدًا من الفوضى والدم.

ففي الوقت الذي تُقدّم فيه الولايات المتحدة نفسها كطرف يسعى إلى “الاستقرار” ومنع عودة التنظيمات المتطرفة في سوريا جاءت الأحداث لتؤكد أن تدخلها العسكري، المباشر وغير المباشر، لا يزال أحد أبرز عوامل تعقيد المشهد الأمني في سوريا، خصوصًا في مناطق النفوذ المتداخلة.

سوريا وإعدامات الطبقة

شهدت مدينة الطبقة حالة غضب واسعة عقب تداول معلومات عن إعدام أسرى في ظروف غامضة، وسط اتهامات بتغاضي القوى الدولية المسيطرة جوًا عن هذه الانتهاكات. وبحسب مصادر محلية، فإن عمليات القتل جرت خارج أي إطار قضائي، ما يشكّل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يفرض حماية الأسرى ومنع تصفيتهم تحت أي ذريعة.

هذه الإعدامات لم تكن حادثًا معزولًا، بل جاءت في سياق طويل من الانفلات الأمني، حيث تُدار مناطق واسعة بمنطق القوة، لا القانون، في ظل غياب أي مساءلة حقيقية. ويرى مراقبون أن الصمت الأمريكي إزاء هذه الانتهاكات يضع واشنطن في موقع الشريك غير المباشر، خاصة أنها تملك السيطرة الجوية الكاملة، وتدير شبكة تحالفات محلية على الأرض.

غارة أمريكية مثيرة للجدل

بالتوازي مع ذلك، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ غارة جوية أسفرت عن مقتل قيادي بارز في تنظيم القاعدة، وجرى تقديم العملية بوصفها “نجاحًا استخباراتيًا” ضمن الحرب المستمرة على الإرهاب.

غير أن توقيت الغارة، وطبيعة المنطقة المستهدفة، أثارا تساؤلات واسعة حول المعايير التي تعتمدها واشنطن في اختيار أهدافها. فبينما تتحرك الطائرات الأمريكية بسرعة فائقة عندما يتعلّق الأمر بقيادات مطلوبة، تغيب الفاعلية ذاتها حين تقع انتهاكات جسيمة بحق مدنيين أو أسرى، ما يكشف ازدواجية واضحة في مفهوم “التهديد”.

وبحسب تقارير ميدانية، فإن الغارة لم تُنهِ خطر التنظيمات المسلحة، بل ساهمت في إعادة خلط الأوراق، وخلقت فراغًا أمنيًا جديدًا غالبًا ما يُستثمر لاحقًا في دورات عنف متجددة.

تناقض الخطاب الأمريكي

ترفع واشنطن منذ سنوات شعار “مكافحة الإرهاب” بوصفه مبررًا دائمًا لوجودها العسكري في سوريا والعراق. لكن الوقائع تشير إلى أن هذا الشعار يُستخدم بمرونة سياسية، تُفَعَّل حين يخدم المصالح الأمريكية، وتُهمَّش حين تتعارض مع حسابات النفوذ.

فالإرهاب، وفق هذا المنطق، ليس معيارًا أخلاقيًا ثابتًا، بل توصيفًا انتقائيًا. تُستهدف جماعات بعينها، بينما تُغضّ الطرف عن ممارسات حلفاء محليين متهمين بانتهاكات جسيمة، من اعتقالات تعسفية إلى إعدامات ميدانية، ما يُفرغ الخطاب الأمريكي من أي مضمون قانوني أو إنساني.

ويرى باحثون أن هذه الازدواجية أسهمت فعليًا في إطالة عمر الفوضى، إذ تحوّلت “مكافحة الإرهاب” إلى أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه.

دور “سنتكوم” وحدود المسؤولية

تُعد القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” اللاعب العسكري الأبرز في المنطقة، وهي الجهة التي تُنسّق الضربات الجوية وتدير قواعد الانتشار. ومع ذلك، فإن دورها غالبًا ما يقتصر على البيانات العسكرية، دون تحمل مسؤولية سياسية أو أخلاقية عن التداعيات الإنسانية للعمليات.

المطالبة بوقف الهجمات الأمريكيةة على سوريا لا تنبع فقط من الخسائر البشرية، بل من إدراك متزايد بأن هذه العمليات لا تُنتج استقرارًا مستدامًا، بل تُعيد تدوير العنف، وتمنح التنظيمات المتطرفة ذريعة جديدة لإعادة التجنيد والتوسع.

وفي هذا السياق، تبدو “سنتكوم” طرفًا فاعلًا في صناعة المشهد، لكنها غائبة تمامًا عن أي آلية مساءلة، في ظل حماية سياسية كاملة توفرها واشنطن لنفسها خارج إطار القانون الدولي.

بين الإرهاب والسياسة

تكشف أحداث الطبقة في سوريا  والغارة الأمريكية الأخيرة عن حقيقة أعمق: أن الإرهاب لم يعد في الخطاب الأمريكي خطرًا يجب اجتثاثه، بل ورقة تُستخدم لإعادة ترتيب النفوذ، وضبط الإيقاع الميداني بما يخدم الاستراتيجية الأمريكية الأوسع.

فحين يُقتل الأسرى ولا تتحرك الطائرات، وحين تُدمّر قرى بأكملها تحت ذريعة الأمن، يتضح أن المشكلة ليست في غياب القدرة، بل في غياب الإرادة الأخلاقية.

وفي ظل هذا الواقع، تتآكل مصداقية واشنطن تدريجيًا، ليس فقط لدى شعوب المنطقة، بل حتى لدى حلفائها، الذين باتوا يدركون أن “مكافحة الإرهاب” ليست سوى عنوان فضفاض، يخفي تحته سياسات انتقائية، تُنتج مزيدًا من الضحايا، دون أن تُقارب جذور العنف أو أسبابه الحقيقية.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

من الطبقة إلى الغارات الجوية: كيف توظّف واشنطن “مكافحة الإرهاب” لتبرير الفوضى بسوريا؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°