تشهد الساحة السياسية العراقية مرحلة دقيقة من إعادة الاصطفاف داخل الائتلاف الحاكم المعروف بـالإطار التنسيقي، على وقع الجدل المتصاعد بشأن دعم ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لتولي رئاسة الحكومة المقبلة، في تطور جاء عقب إعلان رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني انسحابه من سباق الترشح لمصلحة المالكي.
هذا التطور، الذي بدا للوهلة الأولى خطوة توحيدية داخل التحالف، سرعان ما كشف عن انقسام داخلي واضح في مواقف قوى الإطار، بين أطراف ترى في المالكي شخصية قادرة على إدارة المرحلة المقبلة بما تحمله من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، وأخرى تتحفظ على إعادة طرح اسمه، محذّرة من تداعيات داخلية وخارجية قد تنعكس على الاستقرار السياسي ومسار العملية الديمقراطية في البلاد.
ترشيح نوري المالكي: اعتراضات بارزة وتحفظات محسوبة
بحسب مصادر سياسية مطلعة داخل الإطار التنسيقي، فإن التحالف يشهد انقساماً حاداً بشأن ترشيح نوري المالكي، حيث عبّر عدد من القيادات البارزة عن اعتراضات صريحة على إعادة ترشيحه.
وتشير المصادر إلى أن أبرز المعترضين يتمثلون في زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، وزعيم حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، اللذين يريان أن المرحلة المقبلة تتطلب توافقاً أوسع، وشخصية قادرة على تهدئة المشهد السياسي داخلياً، وتقليص التوترات الخارجية التي تحيط بالعراق في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
في المقابل، برز موقف الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري بوصفه موقفاً أكثر تحفظاً، إذ أبدى تحفظاً كبيراً على الترشيح من دون إعلان رفض قاطع، مفضلاً الإبقاء على باب الخيارات مفتوحاً بانتظار ما ستسفر عنه المشاورات الداخلية والحوارات مع بقية القوى السياسية.
أزمة أعمق من اسم المرشح
وتؤكد المصادر ذاتها أن الخلاف داخل الإطار التنسيقي لا يقتصر على شخص نوري المالكي، بل يتجاوز ذلك إلى تباين أعمق في الرؤى حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة، وطبيعة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد.
كما يرتبط الخلاف، وفق المصادر، بالضغوط الداخلية والخارجية المحيطة بملف تشكيل الحكومة، وما يرافقه من حسابات تتعلق بالعلاقات الإقليمية، وتوازنات النفوذ الدولي، وهو ما يجعل قرار الحسم أكثر تعقيداً، ويحدّ من قدرة أي طرف على فرض مرشحه بشكل منفرد.
اجتماعات حاسمة ومحاولات للتوافق
ورغم حدة التباين في المواقف، تشير المصادر السياسية إلى أن الإطار التنسيقي يسعى إلى تجنب الانزلاق نحو انقسام علني قد يضعف موقعه السياسي، أو يؤدي إلى تفكك مكوناته.
وفي هذا السياق، تستعد قوى الإطار لعقد اجتماع وصفته المصادر بـالحاسم والمهم مساء السبت، في محاولة للتوصل إلى صيغة توافقية بشأن ملف رئاسة الوزراء، بما يضمن وحدة التحالف وعدم الذهاب نحو خيارات قد تعمّق الخلافات القائمة.
وأكد عضو تحالف الفتح محمود الحياني، في تصريح لـالعربي الجديد، وجود خلافات وصفها بـ“الواضحة” داخل الإطار حول ترشيح نوري المالكي، مشيراً إلى أن الانقسام القائم يجعل الوصول إلى قرار نهائي أمراً معقداً في الوقت الراهن.
وأوضح الحياني أن الإطار يمر بمرحلة نقاشات مكثفة تهدف إلى الحفاظ على وحدة الموقف السياسي وضمان الاستقرار، إلا أن الخلافات الحالية تتطلب وقتاً إضافياً لتقريب وجهات النظر والوصول إلى صيغة توافقية ترضي مختلف الأطراف.
تنازل السوداني.. خطوة كشفت عمق الأزمة
ومنذ إعلان رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني، الذي يقود الكتلة البرلمانية الأكبر داخل الإطار التنسيقي، تنازله عن الترشح لمصلحة نوري المالكي قبل أكثر من أسبوع، لم يتمكن الأخير من الوصول إلى إعلان رسمي لترشحه.
وتشير المعطيات إلى أن نوري المالكي أخفق حتى الآن في إقناع القوى المؤثرة داخل التحالف بدعمه، وهو ما يعكس حجم التباين الداخلي، ويؤكد أن خطوة التنازل لم تتحول إلى نقطة التقاء، بل كشفت مبكراً عن عمق الأزمة داخل الإطار، وحدود القدرة على توحيد القرار السياسي.
الخلافات الداخلية وتوازنات الإقليم والنفوذ الخارجي
يرى مراقبون أن الجدل داخل الإطار التنسيقي لا يمكن فصله عن التوازنات الإقليمية المتغيرة، وحساسية موقع العراق في معادلات النفوذ بين قوى إقليمية ودولية متنافسة.
فإعادة طرح اسم نوري المالكي تثير تساؤلات لدى بعض أطراف الإطار حول انعكاس ذلك على علاقات بغداد الخارجية، ولا سيما مع الدول الغربية والولايات المتحدة، في مقابل علاقات العراق مع قوى إقليمية فاعلة. كما تخشى بعض القوى من أن يؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج حالة الاستقطاب السياسي، وما يرافقها من ضغوط اقتصادية وأمنية.
في هذا السياق، يبدو أن الخلاف حول رئاسة الوزراء هو انعكاس لصراع أوسع حول شكل الدولة، وحدود استقلال القرار السياسي العراقي، وطبيعة الانفتاح أو الانغلاق على المحيطين الإقليمي والدولي.
الإطار التنسيقي بين وحدة السلطة وتحديات الحكم
يُعد الإطار التنسيقي مظلة جامعة لقوى سياسية شيعية رئيسية تشكّلت بعد انتخابات 2021، ولعبت دوراً محورياً في تشكيل الحكومة الحالية. غير أن تماسكه ظل مرهوناً بالتوافقات المرحلية، أكثر من كونه تحالفاً قائماً على رؤية سياسية موحدة.
ومع اقتراب استحقاق تشكيل حكومة جديدة، تتكشف التباينات الكامنة داخل الإطار، في ظل تحديات داخلية تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والخدمية، وضغوط خارجية مرتبطة بموقع العراق في الإقليم، ما يجعل ملف رئاسة الوزراء اختباراً حقيقياً لقدرة التحالف على الاستمرار بوصفه كتلة حاكمة متماسكة.










