كيف يخطط الاحتلال لتمزيق التواصل الجغرافي الفلسطيني؟
تتسارع خطى حكومة الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ أضخم مشروع استيطاني منذ عقود في الضفة الغربية، في سباق مع الزمن لفرض وقائع ميدانية يستحيل التراجع عنها.
المشروع الجديد، الذي يتمحور حول مستوطنة "كرني شومرون"، يمثل حلقة وصل خطيرة في سلسلة تهدف إلى إعادة رسم جغرافيا المنطقة بما يضمن القضاء التام على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً.
مصادرة 700 دونم: تفاصيل "حي دوروت" الاستيطاني
أعلنت السلطات الإسرائيلية مؤخراً عن مصادرة نحو 695 دونماً من الأراضي الفلسطينية وتصنيفها كـ "أراضي دولة"، الهدف المعلن هو إقامة حي استيطاني ضخم يُعرف باسم "دوروت" بالقرب من مستوطنة "كرني شومرون".
هذا المخطط ليس مجرد توسعة سكنية، بل هو مشروع استراتيجي يهدف إلى ربط "كرني شومرون" بمستوطنتي "إلكانا" و"عِتس إفرايم" المقامتين على أراضي قرية مسحة بمحافظة سلفيت.

وتشمل الخطة بناء آلاف الوحدات الاستيطانية المخصصة لمجتمع "الحريديم" “المتدينين المتشددين”، مع تحويل "كرني شومرون" رسمياً إلى مدينة استيطانية كبرى تكون مركزاً لثقل سكاني إسرائيلي في قلب المناطق الفلسطينية.
استراتيجية "الحريديم": الإسكان السريع لفرض الواقع
في ظل مخاوف قادة المستوطنين من تغير الحكومة أو تبدل الظروف السياسية الدولية، اتجهت القيادة الاستيطانية نحو استقطاب "الحريديم" هؤلاء المستوطنون يمثلون شريحة قادرة على الانتقال الجماعي السريع وبكثافة سكانية عالية، مما يضمن تثبيت "الواقع الاستيطاني" قبل أي انتخابات قادمة.
ولا يقتصر هذا التوجه على منطقة "دوروت"، بل يمتد ليشمل مشروع استيطاني ضخم للحريديم في منطقة الأغوار و التخطيط لإنشاء معهد قرب قرية العوجا التحتا لتعزيز الوجود الديني والعسكري في المنطقة و نمو مستوطنتي "بيتار عيليت" و"موديعين عيليت" اللتين تعدان الأكبر في الضفة وتسكنا جمهوراً حريدياً بالكامل.
يعود مخطط توسيع "كرني شومرون" إلى قرارات حكومية قديمة من عام 1984، لكنه ظل حبيس الأدراج لعقود بسبب الكثافة السكانية الفلسطينية والعقبات القانونية.
برزت أهمية هذه المنطقة بشكل صارخ خلال طرح "صفقة القرن" عام 2020، حيث كانت تعتبر حينها منطقة حيوية للتواصل الفلسطيني، وهو ما دفع اليمين الاستيطاني المتطرف للضغط بقوة لإلغاء هذا التصنيف وتحويلها إلى "قلعة استيطانية" تقطع الطريق على أي تواصل جغرافي عربي في تلك المنطقة الاستراتيجية.
إن ما تشهده الضفة الغربية اليوم، وتحديداً في منطقة سلفيت وقلقيلية، ليس مجرد بناء بيوت أو شق طرق، بل هو "هجوم جغرافي" شامل يستهدف تصفية القضية الفلسطينية من جذورها.
إن مشروع تحويل "كرني شومرون" إلى مدينة وربطها بالمستوطنات المحيطة يمثل إعلاناً رسمياً عن انتهاء حقبة "حل الدولتين" من المنظور الإسرائيلي، واستبدالها بنظام "الكانتونات" المعزولة.
إن استغلال الكثافة السكانية "للحريديم" كأداة للضم السريع يعكس ذكاءً استراتيجياً خبيثاً يهدف إلى خلق وقائع ديموغرافية تصعب إزالتها مستقبلاً.
وبينما ينشغل العالم بالأزمات الكبرى، تواصل جرافات الاحتلال بصمت تمزيق أحشاء الضفة الغربية، محولةً القرى الفلسطينية إلى جيوب مخنوقة تحت مسمى "أراضي دولة".
إن تصريحات سموتريتش حول "قتل فكرة الدولة الفلسطينية" يجب أن تكون جرس إنذار للمجتمع الدولي؛ فالاستيطان لم يعد مجرد انتهاك للقانون الدولي، بل أصبح الأداة التنفيذية لخطة الضم الفعلي إن حماية ما تبقى من الأرض الفلسطينية تتطلب أكثر من مجرد بيانات إدانة، بل تستدعي تحركاً يواجه هذا "التغول الاستيطاني" قبل أن تصبح الضفة مجرد ذكريات لجغرافيا كانت يوماً متصلة، وقبل أن يُحكم الطوق الاستيطاني على رقاب الفلسطينيين في مدنهم وقراهم بصفة دائمة.
يعود مخطط توسيع مستوطنة "كرني شومرون" إلى جذور سياسية قديمة تعود لعام 1984، إلا أن كثافة الوجود الفلسطيني والعقبات القانونية أبقت المشروع معلقاً لعقود.
برزت الخطورة الاستراتيجية لهذه المنطقة مجدداً خلال طرح "صفقة القرن" عام 2020؛ إذ كانت تُصنف كمنطقة حيوية لضمان التواصل الجغرافي الفلسطيني بين شمال الضفة ووسطها. هذا الواقع دفع اليمين الاستيطاني المتطرف للضغط نحو إعلانها "أراضي دولة" لقطع الطريق أمام أي كيان فلسطيني مستقبلي.
اليوم، تتبنى حكومة الاحتلال استراتيجية "الضم السريع" عبر استقطاب تجمعات "الحريديم" ذات النمو السكاني المرتفع، لضمان فرض وقائع ديموغرافية تصعب إزالتها.
إن ربط المستوطنات عبر "حي دوروت" لا يستهدف السكن فحسب، بل يهدف إلى خلق "حزام أمني" يمزق وحدة أراضي سلفيت وقلقيلية، ويحول التجمعات الفلسطينية إلى كانتونات معزولة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، تنفيذاً لوعود سموتريتش بإنهاء خيار الدولة الفلسطينية جغرافياً وسياسياً.










