4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

سوريا | ما بعد وقف الحرب… حين عاد النفط إلى قلب الدولة

في سوريا، لم تكن المعركة الأخيرة مجرد اشتباك عسكري ينتهي بتغيّر خطوط تماس، بل تحوّلت سريعًا إلى نقطة انعطاف كبرى في المشهد الاقتصادي للدولة السورية.

بقلم: سماح عثمان
٢٠ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
16 مشاهدة
سوريا 55

سوريا 55

في سوريا، لم تكن المعركة الأخيرة مجرد اشتباك عسكري ينتهي بتغيّر خطوط تماس، بل تحوّلت سريعًا إلى نقطة انعطاف كبرى في المشهد الاقتصادي للدولة السورية.

فاستعادة السيطرة على مساحات واسعة من شرق سوريا، ولا سيما المناطق الغنية بالنفط والغاز، أعادت فتح ملف الثروات الوطنية الذي ظل طوال سنوات الحرب رهينة صراعات مسلحة وتدخلات خارجية مباشرة، وفي مقدمتها الوجود الأمريكي الذي فرض أمرًا واقعًا اقتصاديًا خارج سيادة الدولة.

الميدان بسوريا لم ينفصل يومًا عن الاقتصاد. فكل تقدم عسكري في الشرق كان يعني بالضرورة اقتراب الدولة من شرايينها المالية المنهوبة، في منطقة شكّلت لعقود الخزان الأساسي للطاقة السورية، قبل أن تتحول منذ عام 2014 إلى ساحة تقاسم نفوذ بين تنظيمات مسلحة وقوى مدعومة خارجيًا، ما حرم الخزينة العامة من مورد استراتيجي كانت تعتمد عليه في تمويل قطاعات الكهرباء والصناعة والدعم الاجتماعي.

خريطة الثروة

تقع أبرز الحقول النفطية والغازية السورية في محافظتي دير الزور والحسكة، وعلى رأسها حقول العمر، التنك، الورد، الجفرة، إضافة إلى معامل غاز كونيكو والشاعر. وبحسب بيانات وزارة النفط السورية قبل عام 2011، كانت سوريا تنتج نحو 385 ألف برميل نفط يوميًا، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المستخدم محليًا في توليد الكهرباء والصناعات الثقيلة.

لكن سنوات الحرب قلبت هذه الخريطة رأسًا على عقب. إذ خرجت معظم الحقول عن سيطرة الدولة، وتعرّضت البنية التحتية للتخريب والنهب، بينما جرى تهريب النفط عبر شبكات غير شرعية، بحسب ما وثقته تقارير روسية وسورية رسمية، أشارت إلى خسائر تجاوزت 100 مليار دولار في قطاع الطاقة وحده منذ عام 2011.

سوريا واستعادة السيطرة

مع استعادة الدولة السورية السيطرة على أجزاء محورية من الشرق، عاد ملف النفط إلى الواجهة كأولوية وطنية لا تقل أهمية عن تثبيت الأمن. مصادر حكومية سورية أكدت، بحسب وكالة “سانا”، أن الفرق الفنية بدأت عمليات جرد شاملة للآبار والمنشآت، وتقييم الأضرار التي لحقت بها، تمهيدًا لإعادة التشغيل التدريجي.

هذه العودة لا تعني فقط ضخ النفط، بل إعادة بناء منظومة اقتصادية كانت غائبة قسرًا. فكل بئر يُعاد تشغيله يمثل موردًا مباشرًا للخزينة، ويخفف في الوقت نفسه من فاتورة الاستيراد التي أثقلت الاقتصاد السوري في ظل العقوبات الغربية الخانقة، والتي منعت دمشق من استيراد المشتقات النفطية إلا بكلفة مضاعفة.

عوائد متوقعة

تشير تقديرات خبراء اقتصاديين سوريين، نقلتها صحيفة “الوطن” المحلية، إلى أن إعادة تشغيل جزء من الحقول الشرقية يمكن أن تؤمن ما بين 50 إلى 70 ألف برميل يوميًا في المرحلة الأولى، وهو رقم مرشح للارتفاع تدريجيًا مع إعادة التأهيل الكامل.

اقتصاديًا، يعني ذلك مئات ملايين الدولارات سنويًا كعوائد مباشرة، في حال جرى توجيه الإنتاج للسوق المحلية بدل الاستيراد. كما أن الغاز المستعاد سيسهم في تحسين التغذية الكهربائية، وهو ملف حيوي يمس حياة السوريين اليومية، بعدما تحوّلت الكهرباء إلى أحد أبرز مظاهر الأزمة المعيشية خلال السنوات الماضية.

اقتصاد سوريا تحت الضغط

غير أن الطريق لا يزال محفوفًا بالتحديات. فالبنية التحتية المتضررة، ونقص المعدات، والحصار الاقتصادي المفروض من أمريكا والاتحاد الأوروبي، كلها عوامل تعرقل التعافي السريع. كما أن سنوات السيطرة غير الشرعية على الحقول خلّفت شبكات تهريب واقتصاد ظل، تحتاج الدولة إلى وقت وجهد أمني واقتصادي لتفكيكها.

وبحسب تقرير صادر عن مركز دراسات الطاقة في دمشق، فإن إعادة تأهيل حقل نفطي متوسط تحتاج ما بين 6 إلى 12 شهرًا، وكلفة قد تصل إلى عشرات ملايين الدولارات، ما يفرض البحث عن شراكات فنية مع حلفاء دمشق، وفي مقدمتهم روسيا وإيران، ضمن اتفاقيات طويلة الأمد.

البعد السياسي 

لا يمكن فصل هذا التحول الاقتصادي عن سياقه السياسي الأوسع. فاستعادة الثروات تعني عمليًا تقليص النفوذ الأمريكي في شرق سوريا، حيث شكّلت حقول النفط طوال سنوات أداة ضغط سياسي وورقة تفاوض غير معلنة. وقد اعترفت واشنطن أكثر من مرة، عبر تصريحات لمسؤولين سابقين في إدارة ترامب، الرئيس الحالي منذ 2024، بأن الوجود الأمريكي في الشرق مرتبط “بحماية النفط”، في اعتراف صريح بطبيعة الدور الاقتصادي العسكري هناك.

اليوم، ومع تغيّر موازين القوى، يبدو أن دمشق تسعى لتحويل الإنجاز الميداني إلى مكسب اقتصادي سيادي، يعيد للدولة جزءًا من قدرتها على القرار المستقل، ويضع ملف إعادة الإعمار على أرضية أكثر واقعية.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال