هل تتحول إدارة الحسكة إلى بوابة صراع على شكل الدولة السورية؟
تشهد الساحة السورية في الشمال الشرقي عودة واضحة لحالة التوتر السياسي والإداري، على خلفية الخلاف المتصاعد بين الحكومة السورية وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي، بشأن مستقبل إدارة محافظة الحسكة وباقي مناطق شرق الفرات.
وبينما تصر دمشق على استعادة صلاحيات الدولة المركزية، يتمسك مظلوم عبدي بالإبقاء على “الإدارة الذاتية الكردية” بصلاحيات كاملة، في معركة لا تبدو تقنية أو إدارية فحسب، بل تمس جوهر شكل الدولة السورية ومستقبل نظام الحكم فيها.
إدارة الحسكة في قلب الصراع
حيث أن محافظة الحسكة تمثل اليوم واحدة من أكثر المناطق تعقيدًا في الجغرافيا السورية، فهي تضم خليطًا إثنيًا وقوميًا من الأكراد والعرب والسريان، وتحتوي على ثروات زراعية ونفطية مهمة، فضلًا عن موقعها الحدودي الحساس مع تركيا والعراق. ومنذ سنوات، تدار مساحات واسعة منها عبر “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” المدعومة من قوات سوريا الديمقراطية.
ومع تجدد الحديث عن تفاهمات محتملة بين دمشق و”قسد”، عاد الخلاف ليتركز حول سقف صلاحيات هذه الإدارة: هل تبقى كيانًا شبه مستقل بميزانيته وأجهزته الأمنية ومناهجه التعليمية؟ أم تُدمج ضمن بنية الدولة السورية كإدارة محلية موسعة الصلاحيات ولكن تحت سيادة مركزية واضحة؟
ووفق المعطيات المتداولة، فإن مظلوم عبدي يصر على الإبقاء على الإدارة الذاتية بصلاحيات كاملة تقريبًا، بما في ذلك الجوانب الأمنية والاقتصادية والتعليمية، بينما ترى دمشق في ذلك مساسًا مباشرًا بوحدة الدولة وسيادتها.
هشاشة التفاهمات السياسية
تُظهر التجربة خلال السنوات الماضية أن أي تفاهمات بين الطرفين كانت هشة ومؤقتة، وغالبًا ما كانت تُبنى على ضرورات ميدانية أو ضغوط خارجية أكثر مما تُبنى على رؤية سياسية متفق عليها. فمع كل تغير في ميزان القوى أو في أولويات اللاعبين الدوليين، تعود الخلافات إلى الواجهة.
ويرى مراقبون أن أحد أسباب هذه الهشاشة هو غياب إطار دستوري واضح يحسم مسألة اللامركزية في سوريا. فالدستور الحالي، رغم حديثه عن الإدارة المحلية، لا يفتح الباب أمام نموذج فيدرالي أو حكم ذاتي واسع الصلاحيات، بل يبقي على مركزية الدولة مع منح صلاحيات إدارية محدودة للوحدات المحلية.
الناحية الدستورية
من الناحية الدستورية، تُعد اللامركزية مفهومًا إداريًا يهدف إلى تخفيف العبء عن السلطة المركزية وتحسين إدارة الخدمات والتنمية المحلية، دون المساس بوحدة الدولة أو سيادتها وهي تختلف جذريًا عن الفيدرالية أو الحكم الذاتي السياسي، اللذين ينقلان جزءًا من السيادة نفسها إلى الأقاليم أو الكيانات المحلية.
في الحالة السورية، ينص الدستور على نظام إدارة محلية، لكنه لا يقرّ بأي شكل من أشكال التقسيم السياسي أو القومي للسلطة. وبذلك، فإن أي صيغة تمنح منطقة بعينها صلاحيات سيادية مستقلة في الأمن أو الاقتصاد أو التشريع، ستكون بحاجة إلى تعديل دستوري جذري، وهو أمر لا يبدو متاحًا في المدى المنظور في ظل الانقسام السياسي القائم.
الناحية القانونية
ومن الناحية القانونية أن أقصى ما يمكن الوصول إليه، ضمن الإطار الدستوري الحالي أو حتى ضمن تعديلات محدودة، هو نموذج لامركزية إدارية موسعة، يمنح المحافظات والمجالس المحلية صلاحيات كبيرة في إدارة شؤونها الخدمية والاقتصادية، لكن مع بقاء القرار السيادي – في الدفاع والسياسة الخارجية والعملة والثروات الاستراتيجية – بيد الحكومة المركزية.

مخاوف التقسيم المقنّع
تخشى دمشق، ومعها شريحة واسعة من السوريين، أن يتحول الإصرار على الإبقاء على الإدارة الذاتية بصلاحيات كاملة إلى مدخل لتكريس واقع تقسيمي مقنّع، حتى وإن رُفع شعار “وحدة سوريا”. فالتجارب الإقليمية تظهر أن الكيانات التي تمتلك أجهزة أمنية واقتصادية وتعليمية مستقلة، سرعان ما تتحول إلى أمر واقع سياسي يصعب التراجع عنه.
في المقابل، تقول “قسد” والإدارة الذاتية إن مطلبها لا يستهدف الانفصال، بل يهدف إلى حماية خصوصية المنطقة وضمان عدم عودة “المركزية الخانقة” التي عانت منها مناطق الأطراف لعقود.
لا يمكن فصل عقدة الشمال الشرقي عن التدخلات الخارجية، وعلى رأسها الوجود الأميركي والتركي والروسي. فالولايات المتحدة ما زالت ترى في “قسد” شريكًا أساسيًا في محاربة تنظيم “داعش”، بينما تنظر تركيا إلى أي كيان كردي مسلح قرب حدودها باعتباره تهديدًا لأمنها القومي. أما روسيا، فتحاول لعب دور الوسيط بين دمشق والأكراد، لكن دون كسر الخطوط الحمراء لأي طرف هذا التشابك يجعل أي تفاهم داخلي سوري عرضة للاهتزاز مع أول تغيير في حسابات القوى الدولية.










