20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د.محمد الصاوي يكتب: السحر الأسود.. حين يُقتل الناس ببطء والدولة بلا قانون

حكايات أذى صامتة تبدأ بالخوف… وتنتهي بفقدان الإنسان وأسرته دون مساءلة

بقلم: د. محمد الصاوي
٢٠ يناير ٢٠٢٦
10 دقائق قراءة
19 مشاهدة
السحر الأسود

السحر الأسود

حكايات أذى صامتة تبدأ بالخوف… وتنتهي بفقدان الإنسان وأسرته دون مساءلة


لم يمت ذلك الشاب فجأة.
مات ببطء، عامًا بعد عام، وهو يشاهد جسده يتآكل دون تفسير طبي حاسم. بدأت الحكاية بمرض غامض، ثم شللٍ تدريجي، ثم فقدانٍ قاسٍ للوزن، قبل أن تتدهور حالته إلى تسمم دموي شامل. في أيامه الأخيرة، توصّل الأطباء إلى قرار بالغ القسوة: لا سبيل – حسب تقديرهم – لإيقاف انتشار التسمم إلا ببتر نصفه السفلي.

لكن القرار جاء متأخرًا.
سبق السيف العذل.

رحل الشاب عن عمر 36 عامًا، تاركًا خلفه زوجة شابة، وأطفالًا صغارًا، وأسرة مفجوعة، بعد أن أُنفقت أكثر من مليون ونصف المليون جنيه في رحلة علاج انتهت بالموت، وضاع معها مستقبل أسرة كاملة.

هذه القصة لا تُقدَّم بوصفها حكمًا طبيًا أو اتهامًا قضائيًا، لكنها نموذج إنساني يتكرر بصور مختلفة، ويُفتح معه سؤال لم يعد من الممكن تجاهله:
من يحمي الناس حين يُقتل الإنسان ببطء… بلا سلاح، وبلا محاسبة؟

 من الاعتقاد الشعبي إلى الأذى الواقعي

لم يعد السحر الأسود مجرد اعتقاد شعبي هامشي، ولا ممارسة تُحصر في نطاق الخرافة. في الواقع الاجتماعي، تتحول هذه الممارسات – حين تُستخدم للإيذاء – إلى أدوات تدمير حقيقية: تفريق بين الأزواج، تعطيل للزواج، وقف للحال، فشل متكرر في العمل والتجارة، وأحيانًا انهيار صحي ينتهي بالموت.

الخطر لا يكمن فقط في الفعل، بل في المنظومة التي تسمح له بالاستمرار:
سحرة يعملون علنًا أو في الخفاء، يبتزون الناس بالخوف واليأس، ويستنزفون أموالهم، بينما يقف القانون عاجزًا عن توصيف الجريمة توصيفًا مباشرًا.

 حين يتحول الساحر إلى مُؤذٍ بلا عقاب

من زاوية قانونية وأخلاقية، نحن أمام فجوة خطيرة.
هناك أذى جسيم يقع، وأرواح تُستنزف، وأسر تُدمَّر، لكن الفعل لا يُعامل قانونيًا بوصفه جريمة مستقلة. الساحر الذي يتسبب – عمدًا أو نتيجة فعل مقصود – في تدمير حياة إنسان، هو فاعل ضرر جسيم، ومع ذلك لا يُلاحق إلا تحت أوصاف فضفاضة مثل “النصب” أو “الاحتيال”.

النتيجة:
جريمة بلا اسم واضح، وضحية بلا حماية كافية،
وجانٍ يشعر بالأمان.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا:
أين دور الدولة؟

 تقاعس تشريعي يفتح الباب للجريمة

مسؤولية الدولة لا تقتصر على مواجهة الجرائم المادية المباشرة، بل تمتد إلى حماية المجتمع من كل ما يهدد أمنه النفسي والاجتماعي. ترك ملف السحر الأسود بلا تجريم صريح يعني عمليًا فتح مساحة رمادية يتحرك فيها السحرة بلا خوف، ويُدفع فيها الضحايا إلى الصمت، إما خشية الوصم أو لغياب المسار القانوني الواضح.

غياب النص القانوني الصارم:
يشجّع التمادي، ويُطبع الجريمة، ويحوّل الأذى إلى سوق مفتوحة تُدار باسم “العلاج الروحاني”.

 السحر في ميزان الشريعة: إفساد في الأرض لا لبس فيه

تعامل الإسلام مع السحر بوصفه من أخطر أشكال الإفساد في الأرض، وربطه بالكفر والانحراف الأخلاقي، لما ينطوي عليه من إيذاء متعمد للآخرين واستعانة بقوى شيطانية. فقد جاء النص القرآني صريحًا في تحميل السحر مسؤولية التفريق بين الناس وإلحاق الضرر بهم، كما في قوله تعالى:
﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (البقرة: 102)، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (طه: 69).

وفي السنة النبوية، عدّ الرسول ﷺ السحر من “الموبقات السبع”، أي من أعظم المهلكات التي تودي بصاحبها إلى الهلاك الدنيوي والأخروي (صحيح البخاري ومسلم). وذهب جمهور الفقهاء من المالكية والحنابلة وكثير من الشافعية إلى أن السحر إذا اشتمل على استعانة بالشياطين فهو كفر صريح، وأن الساحر إذا ترتب على فعله قتل أو إهلاك جسيم، فإنه يُعد قاتلًا شرعًا، حتى وإن كان القتل بطريق غير مباشر.

هذا الإجماع الفقهي يضع السحر الأسود في خانة الجريمة الكاملة الأركان، لا مجرد الانحراف العقدي أو السلوك الهامشي.

بين الوهم والجريمة: ضرورة التمييز قبل الإدانة

من المهم التأكيد – تحريريًا ومنهجيًا – أن الحديث عن السحر الأسود لا يعني إنكار الطب أو اختزال كل مرض أو فشل اجتماعي في أسباب غيبية. فالأمراض لها أسباب علمية، والفشل جزء من طبيعة الحياة البشرية. غير أن الخطر الحقيقي يبدأ حين تتحول ممارسات السحر والشعوذة إلى وسيلة إيذاء متعمد، أو حين تُمارس في إطار منظّم يستغل خوف الناس وجهلهم لتحقيق مكاسب أو لإلحاق ضرر جسيم بالآخرين. هنا، لا نكون أمام وهم أو اعتقاد، بل أمام سلوك إجرامي له ضحايا وآثار ملموسة.

 من القتل البطيء إلى تفكيك الأسر: كيف يعمل السحر الأسود؟

تشير وقائع متكررة في المجتمع إلى أن أخطر أنماط السحر الأسود هو ما يمكن وصفه بـ”القتل البطيء”، حيث يُصاب الضحية بأمراض غامضة، وتفشل محاولات التشخيص والعلاج الطبي، ويتدهور الجسد والنفس تدريجيًا، قبل أن تنتهي الحالة بوفاة لا يمكن تفسيرها طبيًا تفسيرًا قاطعًا. وفي ميزان الشريعة، يُعد هذا قتلًا متعمدًا بالوسيلة، وفي ميزان الأخلاق جريمة مكتملة، وفي ميزان المجتمع إرهابًا خفيًا.

ولا يقل خطرًا عن ذلك سحر التفريق بين الأزواج، وهو النمط الوحيد الذي ورد ذكره نصًا في القرآن الكريم:
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (البقرة: 102).
هذا النوع من السحر لا يدمّر علاقة زوجية فحسب، بل يقود إلى تشريد أطفال، وانهيار أسر، وظهور اضطرابات نفسية واجتماعية عميقة.

كما تنتشر ممارسات أخرى تُعرف مجتمعيًا بـ”ربط الزواج” أو “وقف الحال”، حيث تُغلق أبواب الزواج أمام فتيات بلا أسباب اجتماعية أو طبية واضحة، ويتكرر فشل الارتباط لدى شباب في سنٍّ طبيعية للاستقرار، فضلًا عن تعطيل الأرزاق وفشل المشاريع بصورة مفاجئة وغير مبررة. وهي أنماط – سواء أُثبتت في كل حالة أو لا – تُسهم في نشر الخوف، وزرع الشك، وتقويض الثقة داخل المجتمع.

 حين تتحرك دول… وتتردد أخرى

تجارب أوروبية: من الهستيريا إلى ضبط القانون العقلاني

في أوروبا، شهدت القرون الوسطى موجات مطاردة الساحرات، أدّت إلى محاكمات وإعدامات جماعية (القرن 15–18)، معظم الضحايا نساء، وسط هيستيريا جماعية.
مع نهاية هذه الحقبة، صدر Witchcraft Act 1735 في بريطانيا، أنهى العقوبات الجسدية للمتهمين بالسحر، وحوّل التركيز إلى معاقبة الادعاءات الزائفة والخداع بدلًا من المعتقد. (en.wikipedia.org)

 المقارنة مع التشريعات العربية الحديثة
* ليبيا (قانون رقم 6 لسنة 2024): جرم السحر والشعوذة والتعليم والدعم، مع عقوبة تصل إلى الإعدام إذا أدى إلى وفاة. (lawsociety.ly)
* الجزائر (تعديل قانون العقوبات 24‑06): جرم السحر والشعوذة كجريمة مجتمعية، مع عقوبات رادعة. (asjp.cerist.dz)
* الإمارات: جرم الأفعال التي تؤثر على الناس بالنصب أو الخداع، مع عقوبات مالية وسجن. (khaleejtimes.com).                                     

الدرس القانوني المستفاد

المواجهة القانونية للسحر الأسود ليست قضية اعتقاد، بل حماية من أذى واقعي.
فراغ القانون أو التردد التشريعي يترك الضحايا بلا حماية، ويتيح للسحرة الاستمرار في إيذاء الأفراد والأسر.
يجب استلهام التجارب الأوروبية والعربية الحديثة لصياغة إطار قانوني عقلاني: يحمي المجتمع، يردع الأذى، ويضمن الحرية الشخصية، مع آليات تنفيذ فعّالة تمنع التجاوزات والخسائر الإنسانية

هذه النماذج تطرح سؤالًا مباشرًا:
إذا كان التجريم ممكنًا هناك… فلماذا يستمر التردد هنا؟

 كلفة الصمت : 
كلفة الصمت عن السحر الأسود لا تُقاس بالكلمات، بل بما يخلّفه من خسائر إنسانية واجتماعية تتراكم في الظل. فخلف كل قضية تُنسب إلى هذه الممارسات، أسرة تتفكك بهدوء، وأطفال يفقدون المعيل والأمان، وأموال طائلة تُهدر في محاولات علاج أو خلاص لا تأتي، فيما تتآكل الثقة داخل المجتمع، ويحلّ الشك محل الاطمئنان. 
الأخطر من ذلك أن الخوف والوصم يدفعان الضحايا إلى الصمت، فيتحول الألم الفردي إلى نزيف جماعي مستمر. وفي هذا السياق، لا يكون الصمت موقفًا محايدًا، بل مشاركة غير مباشرة في إدامة الأذى وتركه يتوسع دون رادع

الخلاصة: حماية المجتمع ليست خيارًا

لم يعد السؤال ما إذا كان السحر الأسود موجودًا، بل لماذا يُترك دون مواجهة قانونية صريحة، ودون مساءلة حقيقية تحمي الضحايا وتردع الجناة. حين يُقتل الإنسان ببطء، وتُستنزف أسرته نفسيًا وماليًا، ويشعر الفاعل بالأمان، فإن الخلل لا يكون في الجريمة وحدها، بل في منظومة سمحت لها أن تستمر.

الدولة تتحمل مسؤولية سنّ تشريع واضح يُجرّم هذه الممارسات بوصفها أذى جسيمًا لا خرافة، لكن المجتمع أيضًا ليس بريئًا من التقصير. فالصمت خوفًا من الوصم، والخلط بين الدين والدجل، وترك الضحية وحيدة في مواجهة الألم، كلّها أشكال مشاركة غير مباشرة في إدامة الجريمة. 
كما تتحمل النخب الدينية والعلمية والإعلامية مسؤولية كسر المساحات الرمادية، والتمييز الصارم بين الرقية المشروعة والسحر المؤذي، وبين العلاج العلمي والشعوذة المنظمة، لأن أي قانون بلا وعي عام سيظل قاصرًا عن حماية الناس.

حماية المجتمع من السحر الأسود ليست مسألة دينية فقط، ولا نقاشًا ثقافيًا عابرًا، بل واجب دولة، واختبار ضمير جماعي. وتأجيل المواجهة لا يعني الحياد، بل يعني مزيدًا من الضحايا… ومزيدًا من القصص التي تبدأ بمرض غامض، وتنتهي بصمتٍ فوق قبر.

‏References

(Harvard style, links active)

‏Legal texts & Official Documents

‏Libyan House of Representatives (2024). Law No. 6 of 2024 on the Criminalization of Witchcraft, Sorcery, Divination and Related Practices. Benghazi: Official Gazette. Available at: https://lawsociety.ly/en/legislation/law-no-6-of-2024-on-the-criminalization-of-witchcraft-sorcery-divination-and-related-practices/ (Accessed: January 2026)

‏United Arab Emirates (2024). Laws on Sorcery and Witchcraft Penal Provisions. Available at: https://www.khaleejtimes.com/uae/crime/uae-laws-dh50000-fine-jail-term-for-those-engaging-in-witchcraft-and-sorcery (Accessed: January 2026)

‏Abassi, K. (2025). الردع القانوني لمرتكبي جريمة السحر والشعوذة: دراسة تحليلية على ضوء قانون رقم 24‑06 المتضمن تعديل قانون العقوبات. مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية, 8(2), pp. 642–661. Available at: https://asjp.cerist.dz/en/article/281792 (Accessed: January 2026)

‏Soumati, C. (2024). جريمة السحر والشعوذة في تعديل قانون العقوبات الجزائري رقم 24‑06. مجلة حقوق الإنسان والحريات العامة, 9(2), pp. 609–639. Available at: https://asjp.cerist.dz/en/article/258647 (Accessed: January 2026)

‏Yassin, B. & Zabih, H. (2024). تجريم اعمال السحر والشعوذة في قانون العقوبات الجزائري. مجلة طبنـــة للدراسات العلمية الأكاديمية, 7(2), pp. 772–790. Available at: https://asjp.cerist.dz/en/article/257111 (Accessed: January 2026)

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد الصاوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير