شهدت مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة المحاصر، فجر الثلاثاء، تصعيدًا عسكريًا جديدًا تمثّل في شن طيران الاحتلال الإسرائيلي غارتين جويتين استهدفتا مناطق متفرقة من المدينة، بالتزامن مع إطلاق نار كثيف باتجاه المناطق الشرقية من مخيم جباليا شمالي القطاع. كما رُصد تحليق مكثف للطيران الحربي وطائرات الاستطلاع فوق المناطق الواقعة غرب مدينة غزة، في مشهد يعكس تصاعدًا ميدانيًا لافتًا رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر الماضي.
ويأتي هذا التصعيد في خانيونس في سياق استمرار جيش الاحتلال في تنفيذ استهدافات يومية لمناطق مختلفة من قطاع غزة، في خرق عملي ومتكرر لاتفاق وقف إطلاق النار، ما يعزز المخاوف من انزلاق الأوضاع نحو موجة جديدة من التوتر الميداني، خصوصًا في المناطق الجنوبية التي تشهد حساسية مفرطة بفعل الكثافة السكانية وحجم الدمار الكبير الذي خلّفته العمليات العسكرية السابقة.
خانيونس: القصف المدفعي وإطلاق النار
إلى جانب الغارات الجوية على خانيونس، أطلقت قوات الاحتلال نيرانها باتجاه مناطق شرق مخيم جباليا، في مؤشر على اتساع رقعة الضغط العسكري شمالًا وجنوبًا. هذا التزامن في العمليات يعكس نمطًا ميدانيًا مدروسًا يهدف إلى إبقاء القطاع تحت تهديد دائم، ومنع أي حالة استقرار نسبي يمكن أن تُترجم إلى تحسن إنساني أو أمني.
كما أن التحليق المكثف للطيران الحربي وطائرات الاستطلاع غرب مدينة غزة لا يقتصر على الرصد والاستخبار، بل يحمل رسائل ردع واضحة، مفادها أن السيطرة الجوية ما زالت عنصرًا حاسمًا في إدارة المشهد الميداني، وأن وقف إطلاق النار لم يتحول إلى تهدئة شاملة على الأرض.
التصعيد في خانيونس وتعثر المرحلة التالية من الاتفاق
يأتي هذا التصعيد العسكري في خانيونس في وقت يتزايد فيه الحديث عن تعثر المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، سواء على الصعيد السياسي أو التنفيذي. فاستمرار الغارات والقصف المدفعي يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام الاحتلال بالانتقال إلى مراحل أكثر استقرارًا، ويعكس استخدام الضغط العسكري كورقة تفاوضية لفرض وقائع جديدة قبل أي ترتيبات سياسية أو إدارية لاحقة في القطاع.
ويقرأ مراقبون هذا التصعيد باعتباره محاولة لإعادة ضبط ميزان القوة ميدانيًا، في ظل تعقيدات المسار السياسي، لا سيما مع بروز خلافات حادة حول مستقبل إدارة غزة، وطبيعة الجهات التي ستتولى الإشراف على المرحلة المقبلة.
“مجلس السلام” والحراك الدولي المتعثر
يتزامن التصعيد العسكري مع حراك دولي تقوده الولايات المتحدة لتشكيل ما يُسمّى “مجلس السلام”، المقرر أن يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. غير أن هذا المسار يواجه تحفظات ورفضًا من عدة دول، ما يعكس هشاشة الإجماع الدولي حول المبادرة.
وفي هذا السياق، وسّع ترامب دعواته للانضمام إلى المجلس، مستخدمًا أدوات ضغط غير تقليدية، من بينها التهديد بفرض رسوم جمركية تصل إلى 200% على واردات النبيذ والشمبانيا الفرنسية، في محاولة لدفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الانضمام للمبادرة. وردّ ترامب بسخرية على تصريح ماكرون الرافض للمشاركة قائلًا: “لا أحد يريده لأنه سيغادر منصبه قريبًا جدًا”، قبل أن يضيف أن الرسوم الجمركية ستجعل فرنسا تنضم، “لكنها ليست مضطرة”.
الموقف الفرنسي
من جهتها، نقلت وكالة فرانس برس عن مقربين من الرئيس الفرنسي أن باريس لا تعتزم في هذه المرحلة الانضمام إلى “مجلس السلام”، معتبرة أن المبادرة “تثير تساؤلات جوهرية”. وأشارت الأوساط الفرنسية إلى أن “ميثاق” المجلس يتجاوز قضية غزة وحدها، ما يخالف التوقعات الأولية، ويطرح إشكاليات تتعلق باحترام مبادئ الأمم المتحدة وهيكليتها.
وأكدت فرنسا في هذا السياق تمسكها بمبدأ “التعددية الفعّالة”، في إشارة إلى رفض أي مسار يتجاوز الأطر الدولية التقليدية أو يقلّص دور المؤسسات الأممية في إدارة النزاعات.
عراقيل إسرائيلية أمام اللجنة الإدارية لغزة
على الأرض، لم تقتصر العراقيل على المسار السياسي الدولي، بل امتدت إلى الجوانب الإدارية داخل القطاع. فقد كشفت مصادر في اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة عن عدم وجود موعد حتى الآن لدخول اللجنة إلى القطاع وبدء ممارسة مهامها، بسبب عراقيل تفرضها سلطات الاحتلال.
وأوضح عضو في اللجنة، فضّل عدم الكشف عن هويته، أن هناك محاولات من جانب الوسطاء لدفع الولايات المتحدة إلى الضغط على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للسماح بدخول اللجنة وعدم عرقلة عملها، في ظل حاجة ماسة لإطار إداري قادر على التعامل مع الأوضاع الإنسانية والخدمية المتدهورة.
نتنياهو وخلافات مع واشنطن حول مستقبل غزة
في موازاة ذلك، جدّد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو معارضته نشر قوات تركية أو قطرية في قطاع غزة، مؤكدًا وجود خلافات مع الولايات المتحدة حول إدارة القطاع مستقبلًا. وخلال جلسة استماع برلمانية أسبوعية، قال نتنياهو بوضوح: “لن يكون هناك جنود أتراك أو قطريون في قطاع غزة”، مشيرًا إلى أن إسرائيل تختلف مع حلفائها الأميركيين بشأن الجهات التي ستواكب تنفيذ خطة ترامب في القطاع المدمّر.
غزة بين التصعيد والجمود السياسي
منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر الماضي، يعيش قطاع غزة حالة من الجمود الهش، حيث لم يتحول الاتفاق إلى تهدئة شاملة أو مسار سياسي مستقر. وبينما تتواصل الغارات والقصف المدفعي، تتعثر المسارات السياسية والإدارية، سواء عبر “مجلس السلام” المقترح أو اللجنة الإدارية المحلية.
ويعكس التصعيد الأخير في خانيونس خانيونس ومحيطها ارتباطًا وثيقًا بين الميدان والسياسة، إذ يبدو أن تعثر المرحلة التالية من الاتفاق يدفع الاحتلال إلى استخدام القوة العسكرية كأداة ضغط، في وقت تتزايد فيه الانقسامات الدولية حول آليات الحل ومستقبل إدارة القطاع، ما ينذر باستمرار حالة عدم الاستقرار في المدى المنظور.










