21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

"جزية المليار": الإمارات والمغرب يقبلان دعوة ترامب للانضمام لمجلس السلام

أعلنت الإمارات رسمياً قبولها الدعوة الأمريكية للانضمام إلى مجلس السلام، في خطوة تمنح المشروع الترامبي أول غطاء عربي–خليجي معلن.

بقلم: عمرو المصري
٢٠ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
16 مشاهدة
ترامب ورئيس الإمارات محمد بن زايد

ترامب ورئيس الإمارات محمد بن زايد

لم يقدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «مجلس السلام» بوصفه إطاراً دبلوماسياً تقليدياً، بل كمشروع سياسي–مالي يقوم على منطق الدفع مقابل النفوذ، في سابقة غير معهودة في تاريخ المبادرات الدولية. فالمجلس، الذي رُوّج له بداية باعتباره آلية للإشراف على إعادة إعمار غزة، سرعان ما كُشف عن طبيعته الحقيقية كمنصة مدفوعة الأجر، تشترط على الدول الراغبة بعضوية دائمة دفع مليار دولار نقداً ثمناً للمقعد.

الميثاق الذي اطّلعت عليه وكالة الأنباء الفرنسية يكشف أن «السلام» في تصور ترامب لم يعد قيمة سياسية أو التزاماً أخلاقياً، بل سلعة قابلة للبيع، تُدار بعقلية الصفقة لا الشرعية الدولية. فالدول التي تدفع أكثر، تُمنح امتيازات زمنية وسياسية أكبر، في حين يخضع باقي الأعضاء لإرادة رئيس المجلس، أي ترامب نفسه، الذي يحتفظ بصلاحيات واسعة تشمل التجديد والتمديد وتحديد الأدوار.

شرعنة الجباية الدولية

الميثاق التأسيسي للمجلس لا يكتفي بفرض «جزية» مالية صريحة، بل يذهب أبعد من ذلك عبر إعادة تعريف مفهوم الحوكمة الدولية. إذ يمنح ترامب رئاسة المجلس الأولى، ويُعفي الدول التي تدفع أكثر من مليار دولار خلال السنة الأولى من القيود الزمنية للعضوية، ما يحوّل المال إلى أداة سيادية بديلة عن القانون الدولي أو الإجماع متعدد الأطراف.

هذا النموذج يفتح الباب أمام نظام دولي موازٍ، تُقاس فيه المكانة السياسية بحجم الشيك لا بثقل الدولة أو شرعيتها. وهو ما دفع فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن، إلى رفض الانضمام، معتبرة أن المبادرة «تثير تساؤلات جوهرية» وتمسّ بهيكلية الأمم المتحدة ومبادئها، وفق ما نقلته أوساط قريبة من الرئيس إيمانويل ماكرون.

الإمارات تدخل رسمياً

في المقابل، أعلنت الإمارات رسمياً قبولها الدعوة الأمريكية للانضمام إلى مجلس السلام، في خطوة تمنح المشروع الترامبي أول غطاء عربي–خليجي معلن. وأكد الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان أن القرار يعكس دعم بلاده «للتنفيذ الكامل لخطة السلام المكونة من 20 بنداً» التي طرحها ترامب بشأن غزة، معتبراً إياها أساساً لتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

غير أن هذا الخطاب السياسي يتقاطع عملياً مع مسار مختلف، إذ يأتي الانضمام الإماراتي في سياق الثقة المعلنة بقيادة ترامب، والرهان على دوره في «السلام العالمي»، كما تصفه أبوظبي، وهي ثقة سبق أن تُرجمت باتفاقيات التطبيع المعروفة بالاتفاقيات الإبراهيمية. بذلك، لا يبدو الانضمام خطوة إنسانية بقدر ما هو استثمار سياسي في منظومة يعيد فيها ترامب تشكيل موازين النفوذ الإقليمي والدولي.

تباينات دولية حادة

ردود الفعل الدولية على «مجلس السلام» كشفت انقساماً حاداً بين دول ترى فيه فرصة نفوذ، وأخرى تعتبره التفافاً خطيراً على النظام الدولي القائم. كندا، على سبيل المثال، أعلنت أنها لا تنوي دفع أي مقابل مالي للحصول على مقعد، رغم نيتها المبدئية قبول الدعوة، في محاولة للفصل بين المشاركة السياسية والابتزاز المالي.

أما المغرب، فأعلن العاهل المغربي محمد السادس قبوله الدعوة، مع الإشادة برؤية ترامب للسلام، في حين لا يزال الأردن يدرس الوثائق وفق إجراءاته الدستورية. في المقابل، جاء موقف الأمم المتحدة حذراً، حيث شدد المتحدث باسم الأمين العام أن أي مجلس سلام معترف به دولياً يجب أن يظل ضمن الإطار الأممي، وليس بديلاً عنه، وهو ما أكدته أيضاً رئاسة الجمعية العامة.

تفكيك الأمم المتحدة

أخطر ما في ميثاق «مجلس السلام» ليس الجانب المالي فحسب، بل لغته السياسية التي تنتقد صراحة «المقاربات والمؤسسات التي فشلت مراراً»، في إشارة مباشرة إلى الأمم المتحدة، مع دعوة ضمنية إلى «الانفصال عنها». هذا الطرح ينسجم مع تاريخ ترامب العدائي تجاه المنظمة الدولية، إذ سبق له، منذ عودته إلى السلطة مطلع 2025، أن أمر بانسحاب الولايات المتحدة من عدة منظمات أممية، بينها «يونسكو» ومنظمة الصحة العالمية.

بهذا المعنى، لا يمكن فصل مجلس السلام عن مشروع أوسع يقوده ترامب لتفكيك النظام الدولي متعدد الأطراف، واستبداله بشبكة مجالس وهيئات خاضعة للتمويل الأمريكي المباشر، أو للأموال التي تجبى باسم السلام، بينما تُدار فعلياً بعقلية النهب السياسي والاقتصادي.

غزة كذريعة

رغم أن غزة شكّلت المدخل الإعلاني لتأسيس المجلس، فإن مسار المشروع يكشف سريعاً أن القطاع الفلسطيني لم يكن سوى ذريعة أخلاقية لتسويق كيان دولي جديد. فالمجلس، وفق ميثاقه، لم يعد محصوراً بإعادة الإعمار، بل مُنح صلاحيات واسعة للتدخل في النزاعات المسلحة عالمياً، من دون أي آليات مساءلة أو مرجعية قانونية واضحة.

في هذا السياق، يتحول الحديث عن «حقوق الفلسطينيين» إلى غطاء سياسي لصفقة أكبر، يُعاد فيها توظيف معاناة غزة لإنتاج نظام دولي يُدار من البيت الأبيض، ويُموَّل من جيوب الدول الطامحة إلى الرضا الأمريكي، في واحدة من أكثر صيغ «السلام» فجاجة وربحية في التاريخ السياسي الحديث.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال