في ظلّ كارثة إنسانية غير مسبوقة تعيشها غزة منذ أكتوبر 2023، برز تطور بالغ الخطورة تمثّل في تسجيل حالات إصابة بفيروس مجهول، ترافقت مع وفيات مؤكدة، وفق ما أفاد به أطباء يعملون داخل المستشفيات المتهالكة في القطاع. هذا التطور لا يمكن فصله عن واقع الانهيار الصحي الكامل الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي عبر التدمير المنهجي للبنية الطبية، ومنع دخول الأدوية، واستهداف المستشفيات والطواقم الصحية بشكل مباشر.
أطباء في مجمّع الشفاء ومستشفى شهداء الأقصى أكدوا، في شهادات طبية متطابقة، ظهور أعراض غير معتادة على المرضى، تشمل حمى شديدة، اضطرابات تنفسية حادة، إسهالات دموية، وهبوطًا سريعًا في الدورة الدموية، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن، وسط عجز شبه كامل عن إجراء الفحوصات المخبرية اللازمة لتحديد طبيعة الفيروس.
فيروس غزة وشهادات الأطباء
بحسب أطباء طوارئ ومختصين في الأمراض الباطنية، فإن خطورة الوضع لا تكمن فقط في الفيروس ذاته، بل في غياب أي قدرة تشخيصية. فالمختبرات إما دُمّرت بالكامل أو تعمل بحدها الأدنى دون كواشف أو أجهزة تحليل، ما يجعل الطواقم الطبية تعمل في “العمى الطبي”، وتعتمد فقط على التقييم السريري.
أحد أطباء الأوبئة في غزة قال إن “ما نواجهه قد يكون فيروسًا متحوّرًا ناتجًا عن تلوث بيئي واسع، أو مرضًا معديًا انتشاريًا تفاقم بسبب الاكتظاظ وسوء التغذية ونقص المناعة”، محذرًا من أن التأخر في التعرف على طبيعة المرض قد يؤدي إلى تفشٍّ واسع لا يمكن احتواؤه لاحقًا.
بيئة مثالية للوباء
المختصون في علم الأوبئة يجمعون على أن غزة اليوم تمثل بيئة مثالية لانفجار الأوبئة. فملايين النازحين يعيشون في خيام مكتظة، دون مياه نظيفة، ودون شبكات صرف صحي، مع انتشار القمامة والجثث تحت الأنقاض، واختلاط مياه الشرب بمياه الصرف، في مشهد كارثي غير مسبوق.
ووفق تقديرات أطباء صحة عامة، فإن انهيار المناعة الجماعية بسبب الجوع وسوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال، يجعل أي فيروس بسيط قادرًا على التحول إلى مرض قاتل. ومع منع الاحتلال إدخال اللقاحات والمضادات الحيوية والمحاليل الوريدية، تتحول الإصابات المحدودة إلى وفيات خلال ساعات أو أيام.
وفيات بصمت
مصادر طبية أكدت تسجيل وفيات خلال الأيام الماضية، دون القدرة على توثيق السبب الطبي بدقة، بسبب غياب أدوات التشخيص. وفي بعض الحالات، توفي مرضى بعد تدهور مفاجئ في حالتهم خلال أقل من 48 ساعة، ما يعزز مخاوف الأطباء من طبيعة عدوى سريعة الانتشار.
اللافت أن غالبية الضحايا هم من الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين، وهي الفئات الأكثر هشاشة في ظل الحصار. أطباء أكدوا أن “الوفيات لم تكن بسبب المرض وحده، بل بسبب غياب العلاج”، في توصيف يعكس حجم الجريمة المركّبة التي يعيشها القطاع.
الصحة تحت القصف
القطاع الصحي في غزة لم ينهَر بفعل الضغط فقط، بل بفعل الاستهداف المباشر. فقد دمّر الاحتلال الإسرائيلي عشرات المستشفيات والمراكز الطبية، وأخرج معظمها عن الخدمة، بحسب وزارة الصحة في غزة، كما قُتل وجُرح المئات من الكوادر الطبية، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية.
هذا الواقع يجعل أي تفشٍّ وبائي أشبه بحكم إعدام جماعي، إذ لا توجد غرف عزل، ولا أقسام عناية مركزة، ولا مخزون أدوية، ولا قدرة على احتواء العدوى، ما يفتح الباب أمام سيناريو صحي كارثي قد يمتد أثره إلى ما هو أبعد من غزة نفسها.
صمت دولي مريب
أطباء ومختصون أوبئة عبّروا عن قلقهم من الصمت الدولي تجاه هذا التطور الخطير. فحتى اللحظة، لم تُرسل بعثات طبية دولية متخصصة، ولم تُنشأ مختبرات طوارئ ميدانية، رغم أن خطر تفشي وباء في منطقة محاصرة يشكّل تهديدًا إنسانيًا وصحيًا يتجاوز حدود القطاع.
ويرى مختصون أن هذا الصمت لا يمكن فصله عن الغطاء السياسي الأمريكي المتواصل للاحتلال، والذي مكّنه من خنق غزة صحيًا كما خنقها عسكريًا، في مشهد تتداخل فيه المجاعة، والمرض، والقصف، ضمن سياسة عقاب جماعي مكتملة الأركان.
صرخة من تحت الركام
ما يجري في غزة اليوم ليس أزمة صحية طبيعية، بل نتيجة مباشرة لحرب إبادة مستمرة منذ أكتوبر 2023، استخدمت فيها إسرائيل الحصار سلاحًا قاتلًا لا يقل فتكًا عن القنابل. انتشار فيروس مجهول في هذه الظروف ليس حدثًا عارضًا، بل إنذارًا مبكرًا لانفجار صحي شامل.
الأطباء يطلقون صرخة واضحة: إن لم يُفتح المعبر فورًا لإدخال الأدوية، والمختبرات المتنقلة، وفرق الأوبئة الدولية، فإن غزة مقبلة على كارثة صحية قد تحصد أرواحًا بصمت، بعيدًا عن عدسات الكاميرات، ولكن بدمٍ لا يقل فداحة عن دم القصف.










