4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: وارثات عشتار في زمن الجفاف

سارة جاسم تكتب: وارثات عشتار في زمن الجفاف

بقلم: سارة جاسم
٢٠ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
28 مشاهدة
الجفاف

الجفاف

بينما تنشغل الصالونات السياسية في بغداد بجدل الموازنات والتحالفات وتكوين الحكومة الجديدة بعد الانتخابات الأخيرة لعام ٢٠٢٥، تدور في أطراف العراق "ثورة صامتة" تقودها الطبيعة القاسية وسوء الإدارة للموارد الطبيعية في العراق . فلم يعد التغير المناخي في العراق مجرد أرقام في تقارير دولية، بل أصبح "مهندساً اجتماعيًا" يعيد تشكيل خارطة الحياة، وتجد المرأة العراقية نفسها في قلب هذه العاصفة، تتحمل العبء الأكبر لتحولات لم تكن سبباً فيها.

 

من "عشتار" إلى "العوز"

​تاريخياً، كانت المرأة في الريف العراقي، وخاصة في مناطق الأهوار، هي "مديرة الاقتصاد العائلي". هي التي ترعى الماشية، وتصنع مشتقات الحليب، وتغزل شباك الصيد. اليوم، ومع تراجع مناسيب نهري دجلة والفرات وجفاف مساحات واسعة من الأهوار، لم تفقد هذه المرأة "مصدر رزق" فحسب، بل فقدت كيانها الاجتماعي.

 

​حين يجف الهور أو تموت الجواميس، تتحول المرأة من "منتجة" تمتلك استقلالاً مالياً بسيطاً، إلى "مستهلكة" تعتمد كلياً على ما يوفره المعيل الرجل في بيئة مدنية ضاغطة. هذا التحول ليس اقتصادياً فقط، بل هو "انكسار نفسي" لامرأة كانت ترى في الأرض والمياه امتداداً لقوتها.

 

النزوح المناخي.. الغربة داخل الوطن

​أدى الجفاف إلى موجات نزوح كبرى من الجنوب نحو عشوائيات المدن. فوفقاً لآخر تقارير منظمة الهجرة الدولية (IOM) – مصفوفة تتبع النزوح في العراق مطلع عام 2026، فإن أرقام النزوح بسبب الجفاف قد سجلت مستويات قياسية؛ حيث نزحت أكثر من 25,000 عائلة (ما يعادل قرابة 150,000 فرد) من محافظات ذي قار، ميسان، والمثنى وحدها. وتشير المنظمة إلى أن النساء يمثلن الفئة الأكثر هشاشة في هذه الموجات، حيث يواجهن في مناطق النزوح "الهجينة" (عشوائيات المدن) واقعاً يفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية:

​_انكسار شبكة الأمان (العزلة الاجتماعية): في الريف، كانت المرأة جزءاً من منظومة اجتماعية متماسكة، حيث "المضيف" والجيرة والقرابة توفر حماية معنوية ومادية. بالانتقال إلى أطراف المدن، تجد المرأة نفسها معزولة في بيوت من صفيح، فاقدةً لمكانتها الاجتماعية ودورها القيادي في مجتمعها الصغير، مما يؤدي إلى تنامي حالات الاكتئاب والقلق النفسي المرتبط بـ "فقدان المكان".

​_ضريبة الجهل القسري (خطر الأمية): تظهر بيانات المنظمات الدولية ارتباطاً طردياً بين الجفاف وتسرب الفتيات من المدارس. ففي العائلات النازحة، غالباً ما تضحي الأسرة بتعليم الفتاة أولاً إما لعدم القدرة على تحمل تكاليف النقل في المدينة، أو لإلحاقها بمهن هامشية للمساعدة في إعالة الأسرة. هذا "التجهيل القسري" لا يحرم الفتاة من مستقبلها فحسب، بل يفتح الباب أمام عودة ظواهر مثل الزواج المبكر كآلية دفاعية اقتصادية يائسة.

 

​_تأنيث العطش.. صراع الوقت والصحة: في العشوائيات، لا تصل شبكات المياه النظامية، مما يضع "عبء التدبير" على كاهل المرأة. هي من تضطر لانتظار صهاريج المياه لساعات، أو المشي لمسافات لجلب مياه قد لا تكون صالحة للشرب. هذا الاستنزاف الزمني يحرمها من أي فرصة لتطوير ذاتها أو العمل، ويجعل حياتها تتمحور حول "قطرة ماء".

 

أما في القرى التي تقاوم الجفاف ولم ينزح سكانها بعد، فإن المأساة تأخذ منحىً جسدياً حاداً. إن اضطرار النساء لقطع مسافات طويلة في أراضٍ قاحلة للوصول إلى منابع المياه البعيدة يعرضهن لـ:

 

​_ مخاطر أمنية وجسدية: مشقة الحمل الثقيل تؤدي إلى إصابات مزمنة في الظهر والعمود الفقري، فضلاً عن التعرض لمخاطر التحرش في الطرق المنعزلة، مما يخلق حالة من "الرعب اليومي" الملازم لرحلة جلب الماء.

 

​_أزمة الصحة الإنجابية: إن شح المياه النظيفة والاعتماد على مياه ملوثة أو مالحة يؤثر بشكل مباشر على الصحة الجندرية. تزايدت التقارير الطبية في عام 2025 و2026 التي تربط بين نقص النظافة الناتجة عن شح المياه وبين التهابات الجهاز التناسلي والمضاعفات أثناء الحمل والولادة. هذه القضايا تظل "مسكوتاً عنها" بسبب الحياء الاجتماعي (التابو)، مما يجعل معاناة المرأة العراقية في الريف معاناة مزدوجة: ألم جسدي وصمت اجتماعي.

 

المظلة القانونية الغائبة

 

​لا تتحرك قضية "المرأة والمناخ" في فراغ قانوني، بل تستند إلى ترسانة من المعاهدات التي صادق عليها العراق، لكنها تظل "حبراً على ورق" في حياة نساء الأهوار والريف. فبموجب اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، وتحديداً المادة 14، يلتزم العراق بضمان حقوق النساء الريفيات في المشاركة في تخطيط التنمية والحصول على التكنولوجيا والفرص الاقتصادية.

 

ومع بروز الرأي الاستشاري التاريخي لـ محكمة العدل الدولية في عام 2025، الذي أكد أن التغير المناخي يمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان الأساسية، أصبح لزاماً على الدولة العراقية الربط بين حماية البيئة وحماية حقوق المرأة.

 

وعلى المستوى الوطني، تبرز "الإستراتيجية الوطنية للمرأة العراقية 2023-2030"، التي خصصت في محورها الخامس حيزاً لمواجهة التحديات المناخية. كما أن انضمام العراق لـ "خطة عمل بيلين للنوع الاجتماعي" (Belém Gender Action Plan) المنبثقة عن مؤتمر المناخ (COP30) في أواخر عام 2025، يضع الحكومة أمام استحقاق دولي لتمكين النساء كقائدات في التكيف المناخي، وليس كضحايا فقط. ومع ذلك، لا تزال الفجوة شاسعة بين هذه الخطط الطموحة وبين تشريعات محلية "عمياء جندرياً" لا توفر تعويضات عادلة للنساء اللواتي فقدن سبل عيشهن نتيجة الجفاف والنزوح القسري.

المرأة كحَل.. لا كضحية فقط

 

​رغم هذا القتامة، تبرز بارقة أمل. فالمرأة العراقية تمتلك "مخزوناً معرفياً" في كيفية إدارة الموارد الشحيحة. نرى اليوم ناشطات عراقيات في البصرة وذي قار وميسان  وعموم محافظات العراق  يقدن حملات للتوعية البيئية، ويطالبن بحقوق مائية عادلة.

 

​إن تمكين المرأة الريفية من خلال مشاريع "الزراعة الذكية" أو دعم الصناعات اليدوية المستدامة ليس مجرد "رفاهية"، بل هو ضرورة أمنية واجتماعية. إن استعادة دور المرأة في إدارة الموارد المائية يعني استعادة توازن الأسرة العراقية أمام زحف التصحر.

 

​إن قضية المناخ في العراق ليست قضية "بيئة" فحسب، بل هي قضية عدالة اجتماعية وجندرية. إن حماية مياه العراق هي في الحقيقة حماية لكرامة المرأة التي كانت، ولا تزال، حارسة الأرض الأولى. إذا لم نضع احتياجات المرأة في قلب خطط المواجهة المناخية، فإننا نخاطر بخسارة نصف المجتمع أمام عطش لا يرحم.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم تكتب: وارثات عشتار في زمن الجفاف - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°