في الوقت انتشرت فيه صور الدمار الهائل في غزة في كافة أنحاء العالم، كانت حرب أخرى تدور في الظل، بلا كاميرات ولا تغطية إعلامية كافية، داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي. حرب صامتة، لكنها لا تقل قسوة عن القصف، استهدفت الأسرى الفلسطينيين عبر التعذيب الممنهج، والتجويع، والعزل الانفرادي، والإهمال الطبي، وصولًا إلى محاولة تشريع الإعدام كأداة انتقام جماعي.
في هذا الحوار، تكشف غفران زامل، الأسيرة المحررة والمنسقة الإعلامية لحملة «أنقذوا الأسرى في سجون الاحتلال»، تفاصيل هذه الحرب المنسية، وتضع القارئ أمام صورة قاتمة لواقع السجون بعد حرب الإبادة على غزة، حيث تحولت الزنازين إلى مسالخ مغلقة، وعُزل الأسرى عن العالم الخارجي، ومُنع عنهم الصليب الأحمر والمحامون والأهل، في سياسة تهدف إلى كسر الإنسان قبل الجسد.
لا يقتصر حديث "زامل" على الجانب الحقوقي والإعلامي للحملة، بل يمتد إلى البعد الإنساني العميق، بوصفها خطيبة الأسير حسن سلامة، أحد أبرز أسرى المؤبدات، الذي واجه الحرب بفقدان أفراد من عائلته، وبمزيد من التنكيل والعزل، دون أن تشملْه صفقات التبادل. بين الخاص والعام، وبين الشهادة الشخصية والتحليل السياسي، تشرح زامل كيف يسعى الاحتلال إلى إعادة تشكيل وعي المجتمع الفلسطيني عبر السجون، ولماذا ترى الحملة أن معركة الأسرى اليوم هي معركة رأي عام عالمي بقدر ما هي معركة حرية.
هذا الحوار ليس مجرد توثيق للانتهاكات، بل محاولة لكسر الصمت، وإعادة الأسرى من خانة الأرقام إلى موقعهم الطبيعي: رموز للحرية وقضية لا تسقط بالتقادم.
- في البداية، ما هي أهداف حملة "أنقذوا الأسرى في سجون الاحتلال" التي تقودينها؟ وما الرسالة الأساسية التي تريدين إيصالها؟
الحملة العالمية لإنقاذ الأسرى هي مبادرة إعلامية إنسانية دولية تُعنى بالدفاع عن حقوق الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وتهدف إلى كشف الانتهاكات الجسيمة التي يتعرضون لها، وحشد الضغط الدولي للإفراج عن النساء والأطفال والمعتقلين الإداريين، وتحسين ظروف الاحتجاز بما ينسجم مع القانون الدولي، وصولًا إلى مساءلة وملاحقة المسؤولين عن هذه الجرائم في المحافل القانونية والحقوقية الدولية.

انطلقت الحملة كمبادرة من عائلات وزوجات الاسرى لاسيما بعد عامين من حرب الإبادة المستمرة في غزة كانت هناك حرب إبادة أخرى تدور في السجون ولكن لا يتم الحديث عنها ولا تسليط الضوء عليها كان لابد بعد توقيع اتفاقية النار مع الكيان ان نعيد لملف الاسرى اولويته وان ننقل معاناة الاسرى في السجون املا منا في ان تحدث هذه الحملة تحريكا للشارع الغربي الذي انتفض لغزة باي يثمر أيضا حراكات من اجل الاسرى للضغط على صناع القرار في تلك الدول للضغط على الاحتلال بوقف ما يمارسه على الاسرى في السجون من حرب ممنهجة متعمدة.
- تتحدث الحملة عن محاولة الاحتلال تطبيق قانون الإعدام بحق الأسرى، ما السياق القانوني والسياسي لهذا القانون، ومن هم الأسرى المستهدفون به؟
بداية قانون الإعدام ليس وليد اللحظة لقد قدم في 2015 ، لأول مرة مشروع قانون لإعدام الأسرى الفلسطينيين من قبل شارون غال أحد أعضاء حزب " إسرائيل بيتنا " إلاّ أنه قد تم رفض إقراره في قراءته الأولى من قبل الكنيست الإسرائيلي بسبب معارضته من قبل 94 عضو من أعضاء الكنيست.
وفي يوليو/ تموز 2017 طُرح مرة أخرى مشروع قانون صريح لفرض الإعدام على فلسطينيين قتلوا إسرائيليين، قدمه عضو الكنيست روبرت إليطوف من حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة وزير جيش الاحتلال آنذاك أفيغدور ليبرمان ، وجاء ذلك بعد إلحاح من ليبرمان ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بدعوى أن إعدام منفذي العمليات سيكون رادعًا قويًا يفوق إجراءات كهدم منازل عائلاتهم ، إلا أن المقترح الأول رُفض بأغلبية أعضاء الكنيست في حينه، مما أوقفه مؤقتًا.

عام 2022 عندما أعاد الوزير المتطرف إيتمار بن غفير تقديمه مع مجموعة من التعديلات، قبل أن يصادق عليه الكنيست بالقراءة التمهيدية عام 2023، إلى أن بلغ مرحلة حاسمة في سبتمبر / أيلول 2025 حين صادقت عليه لجنة الأمن القومي في الكنيست بالقراءتين الأولى والثانية.
يستهدف القانون بداية اسرى النخبة، ولكن هذا لا يعني ان يكون فقط هم من يطبق عليهم القانون فقد يتم تطبيقه باثر رجعي على كافة الاسرى الذين تتهم إسرائيل بقتل إسرائيليين واليوم عدد الاسرى المحكومين بالمؤبد ١١٦ اسير وهناك حوالي ٤٠ اسير موقوفين على حكم المؤبد يستهدفهم هذا القرار أيضا، بالتالي فأن تطبيقه يعني ان مجزرة كبيرة تطبق بحق عدد كبير من الاسرى .
- ما ردود الأفعال الدولية التي تلقاها عمل الحملة حتى الآن؟ وهل هناك تأثير ملموس على المناصرين لقضية الأسرى في الخارج؟
الحملة لا زالت في بداياتها لم يمض على انطلاقها سوى أسبوعين لكن حتى يكون هناك تاثير حقيقي على الشارع الغربي اطلقنا منصات للحملة كمرحلة أولى باللغة الألمانية وتتم ترجمة المواد باللغة الانجليزية وحاليا سنطلق منصات باللغة التركية حتى يكون هناك خطاب اعلامي يوصل رسالة الاسرى والتعريف بهم وبمعاناتهم.
ومن أجل أيضا التأثير على الحراكات في الأرض تواصلنا مع عدد من المؤثرين ومن النشطاء لاسيما من تم اعتقالهم على متن اسطول الحرية ليشاركوا بالحملة.
- ما أبرز الانتهاكات التي يتعرض لها أسرى المؤبدات داخل السجون مقارنة بباقي الأسرى؟ وكيف ترين أن هذه العقوبات تزيد من معاناتهم؟
بعد الحرب أعلنت إدارة مصلحة السجون حالة الطوارئ وبالتالي فعلت قانون الطوارئ وبناء على مقتضى هذا القانون تم اقتحام كافة السجون وسحب كافة منجزات الحركة الاسيرة، تمت مصادرة ملابس الاسرى وإبقاء الأسير بغيار واحد فقط، تمت مصادرة كافة الأجهزة الكهربائية وحولت السجون الى غرف عزل جماعية، سحبت كافة الطعام واتلافه وسحب كافة الكانتين الخاص بالسجن قدرت الأموال الخاصة بالأسرى بأكثر من ٢ مليون شيكل نتيجة اتلاف الكانيتن الذي يشتريه الاسرى من مالهم الخاص.

كما اتبعت إدارة مصلحة السجون سياسة الحد الأدنى من ناحية الطعام واشرفت على اعدام قائمة الطعام لجنة طبية متخصصة في السجون حددت أنواع معينة من الطعام وبكميات محددة جدا وبالتالي خسر كل الأسرى أوزانهم.
اتبعت سياسة الإهمال الطبي ونتيجة ذلك استشهد عدد كبير من الأسرى في السجون فعدد الشهداء ما بعد الحرب بأرقام رسمية ٨٤ اسير وهناك ربما أعداد غير معلن عنها لاسيما من أسرى قطاع غزة الذين لا تتوفر عنهم أية أرقام ولا معلومات رسمية.
سياسة التعذيب الجسدي المباشر للأسرى حتى وصل الى حالات الاغتصاب للأسرى بالعصي والكلاب والاغتصاب المباشر.
سياسة العزل الانفرادي لقيادات الحركة الاسيرة واليوم عدد المعزولين حوالي ٣٠ اسير جميعهم من الاسرى القدامى والمحكومين بالمؤبدات.
- كيف يتعامل أسرى المؤبدات مع واقع استمرار الحرب وتعقيدات الإجراءات داخل السجون، خاصة مع استمرار رفض الاحتلال الإفراج عنهم في الصفقات الماضية؟
عدد أسرى المؤبدات حاليا في السجون كما اشرت سابقا 116 اسير، بعضهم معتقل ما قبل أوسلو منذ العام ١٩٨٨. بالتالي نتحدث عن اسرى قدامى كبار في العمر متوسط أعمارهم اليوم ٤٧ سنة، هناك كان استهداف واضح لهؤلاء الاسرى سواء على صعيد العزل الانفرادي لعدد كبير منهم وسواء بالاعتداء المباشر والانتقام الشخصي بالاستهداف من خلال اقتحام زنازينهم والتنكيل بهم وضربهم.
بالتالي كان هناك ادراك لدى جميع الاسرى ان الحملة عليهم سابقة لم تكن موجودة في السجون بالتالي لم يقم الاسرى باي خطوات احتجاجية لان تعقيدات الحرب وما جرى داخل السجون وتجاوز كل الخطوط الحمراء في سياسة مصلحة السجون وكان هناك في البداية قرار واضح ان كل من يواجه من الاسرى لدى الشرطة اطلاق النار مباشرة عليه لاسيما ان القوات المقحمة للسجون كان تقتحم وهي مدججة بالسلاح واستخدمت الرصاص بالاقتحامات وأصيب عدد من الاسرى باصابات مباشرة نتيجة هذه الاقتحامات.

كما ان الأسرى عزلوا عن العالم الخارجي فمنع الصليب الأحمر ومنعن زيارات المحامين ومنعت زيارات الاهل بالتالي هناك استفراد تام ومطلق بهم والسجون تحولت لمسالخ تعذيب بعيدة عن الاعلام بعيدة عن أي خبر.
فوضع السجون بعد الحرب كان مختلف تماما وتعاطي الأسرى أيضا كان مختلف. وبلا شك كان الاسرى يتحملون كل هذه الممارسات لانهم يعلمون أنه سيتم الافراج عنهم في صفقات التبادل ولم يكن يخطر ببال أي اسير انه سيبقى في السجن وانه سيترك بعد حرب كهده فكانت سياستهم النجاة باقل الخسائر حتى موعد الحرية.
- هل هناك نماذج أو قصص شخصية لأسرى مؤبدات شاركت الحملة في توثيقها، وكيف يمكن أن يساهم هذا التوثيق في الضغط الدولي؟
نعم، تم مقابلة عدد كبير من الأسرى المحررين لاسيما من تم ابعادهم الى تركيا ومصر وماليزيا واخذ شهاداتهم عن فترة ما بعد الحرب تحديدا وتزويد المؤسسات الدولية الحقوقية والقانونية والإنسانية بهذه الشهادات من أجل استخدامها كملفات ترفع في قضايا ضد هذا الاحتلال كجرائم داخل السجون.
- كونك خطيبة الأسير حسن سلامة – أحد أبرز أسرى المؤبدات – كيف استقبلتِ أنت وعائلته وأهله أخبار الصفقات التي جرت دون أن تشمل اسم حسن حتى الآن؟
بلا ادنى شك كانت صدمة كبيرة ان تأتي الصفقات دون الافراج عن حسن لاسيما أنه كان هناك وعودات كبيرة لحسن ولعائلته بالافراج عنه، ولم نتوقع بان يتم التحفظ على اسمه من قبل الاحتلال والمقاومة تمتلك كل هذا العدد من الجنود . لكن لا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل ونسأل الله ان يهيئ لحسن ولمت تبقى من اخوانه في السجون الحرية والفرج القريب.
- هل يمكن أن تشاركينا كيف أثرت هذه المعاناة الطويلة على علاقتكما وعلى حياتك بشكل عام، وكيف تستمدين القوة للاستمرار في الحملة؟
نحمد الله تعالى على اقدار الله، وهذه السنوات الطويلة واليوم نحن لنا حوالي ١٦ عام مخطوبين لم تزدنا هذه السنوات وهذا البعد الا حبا وأملا بالله ويقينا أن لنا موعد مقدر ومكتوب بالغيب سيكون واقعا يوما ما.
بلا شك هناك معاناة وهناك تعب وهناك الم كبير طيلة هذه السنوات لكن ما دمنا اخترنا هذا الطريق فنحن نتجمل بالصبر والتصبر حتى يكتب الله لنا اللقاء و لربما سنوات الحرب هي التي تجاوزت حدود الوجع والالم بسبب الاستهداف المباشر لحسن فهو منذ الأيام الأولى للحرب في العزل الانفرادي وتعرض للكثير من الاعتداء والضرب والتنكيل وهذا كله في وضع قائم على الحرمان دون زيارات للصليب الأحمر دون زيارات محامين. عشت فيها أيام من الخوف والقلق الكبير على حسن وكانت زياة المحامي بعد ان سمح له تأتي بفترات متقطعة ومتباعدة لكنها كانت بوابة الامل لتنقل لي اخبار حسن ويعرف أيضا اخبارنا.

استمد قوتي من الله أولا وأنا أرى حولي العديد من زوجات الاسرى اللواتي انتظرن ازواجهن لسنوات طويلة ولا زلن على يقين وأمل باللقاء، اتصبر من صبر حسن ذاته الذي مر على اعتقاله ٣٠ عام وهو يلاقي كل أصناف والوان العذاب وهو صابر محتسب وفي كل رسالة منه يبث فينا الامل وأمله ويقينه بالحرية القريبة رغم كل الوضع القاتم والمظلم حوله.
- كيف كانت ردود فعل حسن وإخوته وأصدقائه داخل الحركة الأسيرة تجاه صفقات التبادل، وما رسائلهم للمقاومة والقيادة الفلسطينية؟
للعلم، حسن في هذه الحرب فقد أربعة من إخوانه شهداء وفقد. والدته التي ظلت تنتظره سنوات طويلة، وفقد أيضا من أبناء اخوانه. بالتالي كان خروج حسن بالنسبة للعائلة بلسم لجراجهم ولاوجاعهم وكانوا ينتظرون خروجه على احر من الجمر وكأنه تعويض لهم على ما عاشوه طيلة عامي الحرب، بالتالي كان خبر عدم الافراج عنه صدمة كبيرة لهم ولم يستوعبوا ذلك ولم يخطر ببالهم أن يترك حسن بالسجون بعد حرب كهذه وبعد وعودات كبيرة بالإفراج عنه لكنهم احتسبوا امرهم لله متوكلين عليه بان يكتب لحسن الفرج القريب.
- إلى أي مدى يمكن يساهم الإعلام والغضب الشعبي الدولي في حماية الأسرى من خطر تطبيق قانون الإعدام؟
نأمل أن يكون هناك فعل حقيقي على الأرض يثمر بالضغط على الاحتلال لوقف هذا القانون، لذلك نحن نطالب اعلامنا العربي بداية ان يرفع نسبة التغطية الخاصة بقضية الاسرى وان يفرد مساحة أوسع للحديث عن السجون وعن ظروف وأوضاع الاسرى في السجون.
- إذا كان لديك رسالة أخيرة تريدين توجيهها إلى الأسرى في السجون وإلى شعوب العالم الذين يدعمون قضيتهم، فما هي؟
رسالتي للجميع ان ينخرط في هذه الحملة وان يشارك بكل ما يستطيع ليكون له دور في التخفيف عن الاسرى وفي صناعة حريتهم ان شا الله. للحملة منصات إعلامية عبر السوشيال ميديا يتم نشر كل ما يجري في السجون وما يتعلق بالاسرى من أوضاع ادعو الجميع لمشاركة هذه المنشورات من باب النشر والتوعية بقضية الأسرى.
أطالب كل المؤسسات الحقوقية والإنسانية ان تمارس ضغوطها القانونية من أجل ان يتم إعادة زيارات مؤسسة الصليب الأحمر للسجون . وأن يتم تشكيل جبهة حقوقية من محامين دوليين وماذا لو قام هؤلاء المحامين كخطوة عملية بالتوجه لزيارة السجون والاطلاع المباشر على أوضاع الاسرى.
رسالتي الأخيرة للشعوب الحرة لو كل واحد منا تحدث يوميا عن اسير لاحدثنا هناك فرقا كبيرا في التعاطي الإعلامي وفي نشر معاناتهم ولحولنا الاسرى من ارقام كما يريدهم الاحتلال إلى رموز حرية.










