ما يجري في الشرق الأوسط ليس سلسلة أحداث معزولة، ولا صراعات عابرة، بل مشروع متكامل لإعادة رسم المنطقة، تُفرَض فيه الخيارات على الدول والشعوب بمنطقٍ واحد لا ثالث له: إمّا الاصطفاف الكامل داخل معسكر الولايات المتحدة وإسرائيل، وإمّا الفوضى، فالحرب، فالانهيار… ثم التقسيم.
هذا ليس خطابًا تعبويًا، بل قراءة باردة لمسارٍ بدأ منذ سنوات، وتحوّل اليوم إلى سياسة معلنة تُدار بأدوات عسكرية واقتصادية ونفسية في آنٍ واحد.
كيف تُكسَر الدول قبل أن تُقسَّم؟
لا يبدأ التفكيك بالخرائط، بل بالعقول مع ضرب الثقة بين مكوّنات المجتمع وتحويل الانتماءات الطائفية والإثنية إلى بدائل عن الهوية الوطنية، إنهاك الاقتصاد حتى يصبح الجوع أقوى من أي وعي سياسي. ولا ننسى شيطنة فكرة الدولة الجامعة، وتسويق الفوضى على أنها «خلاص».
وحين تُستنزَف الدولة من الداخل، يُقدَّم التقسيم لاحقًا كـ«حل واقعي» بدل أن يُدان كجريمة تاريخية.
إسرائيل في قلب المشروع مع هذا المسار، تُدفَع لتكون القوة العسكرية الأولى بلا منافس.
المرجعية الأمنية الإقليمية.
الشريك الإجباري لمن يريد «الاستقرار».
أما الدول العربية، فيُراد لها أن تتحوّل إلى كيانات صغيرة، ضعيفة، متخاصمة، تعتمد في أمنها واقتصادها على الخارج، وتفقد تدريجيًا أي قدرة على قرار سيادي مستقل.
لبنان في عين العاصفة و ليس خارج هذا المخطط، بل في قلبه.
الخطر لا يقتصر على حرب عسكرية محتملة، بل يتجسّد في التفكك الداخلي وفقدان البوصلة الوطنية تحويل الانقسام السياسي إلى أداة بيد الخارج.
وسيدفع اللبناني إلى القبول بأي تسوية فقط لينجو يومًا بيوم.
والأخطر أنّ البعض يراهن على أن الاصطفاف الأعمى مع هذا المحور أو ذاك سيؤمّن الحماية.
والحقيقة أن الدويلات لا تُحمى، بل تُستَخدَم، ولا يُسمَح لها بالنهوض، بل يُحافَظ عليها ضعيفة لتبقى بحاجة دائمة إلى «الراعي».
رسالة إلى العرب اتمنى ان يصحوا فما يحدث في بلدٍ عربي اليوم، سيُستنسَخ في بلدٍ آخر غدًا.
التجزئة لا تعرف حدودًا، والفوضى لا تعترف بالخرائط ومن يظنّ أنه في مأمن لأن النار لم تصل إليه بعد، فهو يقرأ المشهد متأخرًا.
لسنا أمام معركة محاور فقط، بل أمام معركة بقاء دول وهويات إمّا وعيٌ عربيّ ولبنانيّ يعيد الاعتبار لفكرة الدولة القوية الجامعة،
وإمّا انزلاق تدريجي نحو شرق أوسط من الدويلات المتناحرة، الخاضعة، المستباحة.
والتاريخ لا يرحم من يرى الخطر بوضوح…
ويختار الصمت.









