في توقيت دولي بالغ الحساسية، ومع دخول حرب روسيا وأوكرانيا عامها الثالث، عادت واشنطن لتتصدر مشهد الوساطة السياسية، عبر تحركات مباشرة يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في محاولة لوضع حد لأكثر الحروب دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. تصريحات متزامنة، وزيارات مرتقبة، ومباحثات مغلقة في موسكو، تعكس جميعها أن الملف الأوكراني دخل مرحلة مفصلية، قد ترسم ملامح النظام الدولي المقبل.
لكن خلف لغة التفاؤل الأمريكية، تتراكم أسئلة ثقيلة حول طبيعة السلام المطروح، وحدود التنازلات، ومصير أوكرانيا، والدور الأوروبي الذي يبدو أنه يتآكل تدريجيًا لصالح تفاهمات ثنائية تقودها واشنطن وموسكو.
تقدّم كبير… مع عقدة أخيرة
قبيل زيارته المرتقبة إلى روسيا، كشف مبعوث الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف، يوم الخميس، أن المباحثات الجارية لإنهاء الحرب في أوكرانيا «أحرزت تقدّمًا كبيرًا»، مشيرًا إلى أن الخلافات المتبقية بين موسكو وكييف باتت محصورة في «مسألة واحدة فقط».
وفي تصريحات أدلى بها على هامش منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس بسويسرا، قال ويتكوف:
«أظنّ أنها باتت تقتصر على مسألة واحدة، وقد ناقشنا صيغًا لهذه المسألة، ما يعني أنه من الممكن حلّها. وإذا ما أراد الطرفان تسوية الأمر، فسنقوم بتسويته».
ورغم نبرة التفاؤل، امتنع المبعوث الأمريكي عن الكشف عن طبيعة هذه «المسألة الواحدة»، ما يعكس حساسية النقطة العالقة، ويرجّح ارتباطها بملفات سيادية كالأراضي، أو الضمانات الأمنية، أو مستقبل انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي.
موسكو تستقبل المبعوثين
بالتوازي، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن موسكو ستستقبل، اليوم الخميس، المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس ترامب جاريد كوشنر، لمواصلة الحوار بشأن التسوية الأوكرانية.
وأوضح بوتين، خلال اجتماع لمجلس الأمن الروسي مساء الأربعاء، أن اللقاء سيتناول ليس فقط مسارات إنهاء الحرب، بل أيضًا مناقشة فكرة «مجلس السلام» التي طرحها ترامب، إضافة إلى ملف بالغ الحساسية يتعلق بإمكانية استخدام الأصول الروسية المجمّدة في الغرب.
هذا التطور يعكس انتقال المفاوضات من القنوات التقنية إلى المستوى السياسي الأعلى، في مؤشر واضح على رغبة الطرفين في اختبار إمكانية التوصل إلى صفقة كبرى، تتجاوز وقف النار نحو إعادة صياغة التوازنات الاستراتيجية في أوروبا.
ترامب: اتفاق روسيا قريب… ومن يرفضه «غبي»
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صعّد من لهجته التصريحية، معتبرًا أن التوصل إلى اتفاق «أصبح قريبًا إلى حد معقول»، مؤكدًا أن الحرب يجب أن تتوقف فورًا.
وقال ترامب:
«أعتقد أنني أستطيع القول إننا قريبون إلى حد معقول… علينا أن نوقف هذه الحرب… أعتقد أنهما وصلا الآن إلى مرحلة يمكنهما فيها الاجتماع وإبرام اتفاق».
لكن ترامب لم يتردد في استخدام نبرة هجومية غير دبلوماسية، حين أضاف:
«إذا لم يفعلا، فهما غبيان»، في إشارة مباشرة إلى رئيس روسيا فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
وتكشف هذه اللغة طبيعة المقاربة الترامبية، القائمة على الضغط العلني، والابتزاز السياسي، وتحويل الحرب إلى ملف تفاوضي يُدار بعقلية الصفقات، لا بمنطق القانون الدولي أو الشرعية الأممية.
زيلينسكي في مرمى الاتهام
وفي تطور لافت، كان ترامب قد صرّح الأسبوع الماضي لوكالة «رويترز» بأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يمثل «العائق الرئيسي» أمام التوصل إلى اتفاق سلام، ما أثار قلقًا واسعًا داخل الأوساط الأوكرانية والأوروبية.
هذا الاتهام يعكس تحوّلًا واضحًا في الموقف الأمريكي، من دعم مفتوح لكييف خلال السنوات الماضية، إلى تحميلها جزءًا من مسؤولية إطالة أمد الحرب، في سياق يمهّد سياسيًا للضغط عليها لتقديم تنازلات مؤلمة.
مفاوضات متشعبة… وغياب أوروبي
بحسب المعطيات المتداولة، تجري الولايات المتحدة محادثات متوازية مع روسيا من جهة، ومع أوكرانيا وعدد من القادة الأوروبيين من جهة أخرى، بشأن مسودات متعددة لخطة إنهاء الحرب.
غير أن هذه المسارات لم تثمر حتى الآن عن اتفاق نهائي، رغم وعود ترامب المتكررة بإبرامه سريعًا.
اللافت أن الدور الأوروبي يبدو هامشيًا في الصيغة الحالية، ما يثير مخاوف داخل العواصم الأوروبية من أن يتم فرض تسوية تُصاغ في واشنطن وموسكو، بينما يُطلب من أوروبا لاحقًا دفع كلفتها الاقتصادية والأمنية.
ويرى مراقبون أن أي سلام لا يعالج جذور الصراع، بل يكتفي بتجميده، قد يتحول إلى هدنة مؤقتة تنفجر لاحقًا بصيغة أكثر عنفًا.
روسيا وسلام تحت الاختبار
رغم التصريحات المتفائلة، لا تزال الطريق إلى التسوية مليئة بالألغام السياسية. فالثقة بين موسكو وكييف شبه معدومة، والشارع الأوكراني يرفض أي تنازل إقليمي، فيما ترى روسيا أن الحرب لم تكن خيارًا بل ضرورة أمنية فرضها توسع الناتو.
وفي هذا المشهد المعقّد، يحاول ترامب فرض نفسه كصانع سلام عالمي، مستخدمًا أدوات الضغط، واللغة الصادمة، ومشاريع مثل «مجلس السلام»، في مسعى يعكس طموحًا لإعادة رسم النظام الدولي وفق منطق القوة والتفاهمات الثنائية.










