تكشف وكالة بلومبيرج، في مقال للكاتبة نيا-ماليكا هندرسون، عن مسار هبوطي متواصل في شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع دخوله العام الثاني من ولايته الثانية، في مشهد يناقض الوعود التي أعادته إلى البيت الأبيض. فرغم انطلاق ترامب بأرقام تأييد بدت مريحة نسبيًا عقب تنصيبه، إلا أن هذا الرصيد بدأ يتآكل سريعًا تحت ضغط ملفات داخلية وخارجية متشابكة.
وتوضح الكاتبة أن المزاج العام في أمريكا لم يعد يتفاعل مع خطاب القوة والاستعراض، بل بات أكثر حساسية للأثر المباشر للسياسات الرئاسية على حياة المواطنين اليومية. ومع تزايد الشعور بأن الإدارة منشغلة بمعارك سياسية وإعلامية أكثر من انشغالها بالمعيشة والاقتصاد، بدأت مؤشرات التراجع تظهر بوضوح في استطلاعات الرأي.
الاقتصاد أولًا
تلفت هندرسون إلى أن الملف الاقتصادي كان أول ساحات التآكل، إذ ارتفعت نسبة الأمريكيين الذين يعارضون نهج ترامب الاقتصادي من 36% عند تنصيبه إلى 47% بعد شهر واحد فقط. ويعكس هذا الارتفاع السريع فجوة متنامية بين الخطاب الرئاسي المتفائل والواقع الاقتصادي الذي يعيشه الأمريكيون.
فاستمرار ارتفاع الأسعار، وتفاقم أزمة شراء المساكن، وتآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، كلها عوامل غذّت شعورًا واسعًا بأن البيت الأبيض لا يمتلك خطة واضحة لمعالجة الضغوط المعيشية. وفي المقابل، تشير بلومبيرج إلى أن تركيز ترامب على قضايا أخرى جاء على حساب صياغة سياسات اقتصادية ملموسة تخفف العبء عن المواطنين.
ملف الهجرة
في ملف الهجرة، توضح الكاتبة أن ترامب نجح في تحويل واحدة من أبرز نقاط قوته السياسية إلى عبء ثقيل على إدارته. فخلال عام واحد، قفزت نسبة عدم الرضا عن سياساته في هذا المجال من 39% إلى 51%، وهو تحول لافت يعكس اتساع دائرة الانتقاد حتى داخل الأوساط المحافظة.
وتشير بلومبيرج إلى أن حملات الترحيل الجماعي، التي روّج لها ترامب كعنوان للحزم والسيادة، وُصفت بالفوضوية والقاسية، ليس فقط من قبل خصومه، بل من شخصيات محسوبة على معسكره السياسي. هذا الأداء، بحسب الكاتبة، عمّق الانطباع بأن الإدارة تفتقر إلى مقاربة متوازنة تجمع بين الأمن والاعتبارات الإنسانية.
السياسة الخارجية
أما في السياسة الخارجية، فتذكر هندرسون أن خطاب ترامب التصادمي مع الحلفاء التقليديين، وتصريحاته التوسعية بشأن كندا وجرينلاند، إضافة إلى تعثر وعوده بإنهاء الحرب في أوكرانيا، جعلت هذا الملف مصدر قلق متزايد لدى الرأي العام الأمريكي. وقد انعكس ذلك في ارتفاع نسبة المعارضين لأدائه الخارجي إلى 51%.
وترى بلومبيرج أن هذا النهج لا يقتصر أثره على صورة أمريكا في الخارج، بل يرتد داخليًا عبر شعور متزايد بعدم الاستقرار، خصوصًا مع إدراك الأمريكيين أن التوتر مع الحلفاء لا يحقق مكاسب مباشرة، بل يفاقم الأعباء الاقتصادية والسياسية على المدى المتوسط.
كلفة التجاهل
تخلص الكاتبة إلى أن تركيز ترامب المكثف على الملفات الخارجية والصراعات السياسية جاء على حساب القضايا المعيشية اليومية، في وقت بدأت فيه مؤشرات ضعف تظهر داخل الاقتصاد الأمريكي نفسه. وتلفت بلومبيرج إلى أن أداء الأسواق الدولية فاق أداء السوق الأمريكية، رغم تباهي ترامب المتكرر بالأرقام.
وفي ظل غياب تغيير جذري في المسار السياسي أو حدوث طفرة اقتصادية كبرى، ترجّح هندرسون أن تواصل الأرقام السلبية ملاحقة ترامب وحزبه. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تبدو هذه المؤشرات إنذارًا مبكرًا للجمهوريين، الذين يواجهون تحديًا حقيقيًا في الحفاظ على سيطرتهم على مؤسسات الحكم في مناخ شعبي يتسم بتزايد الشكوك والتململ.










