رحيل المفكر والمقاوم.. حماس تنعى القائد الوطني الدكتور عطا الله أبو السبح “أبو علاء”
نعت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ببالغ الحزن والرضا بقضاء الله وقدره، القيادي البارز والمفكر الإسلامي والوزير الأسبق الدكتور عطا الله أبو السبح (أبو علاء)، الذي وافته المنية اليوم الأحد عن عمر ناهز 78 عاماً.
وقالت الحركة في تصريح صحفي رسمي إنها تنعى إلى جماهير الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية قائداً وطنياً فذاً، وعضواً في المكتب السياسي، وعضواً سابقاً في المجلس التشريعي، جمع في شخصيته بين حنكة السياسي وبلاغة الأديب والشاعر ورصانة الأكاديمي والتربوي.
وقد قضى الفقيد جل حياته مرابطاً في ميادين الدفاع عن حقوق شعبه العظيم، مسخراً فكره وقلمه لخدمة القضية الوطنية في مختلف المجالات الرسمية والأهلية، ومؤكداً طوال مسيرته على حق الفلسطينيين المشروع في النضال من أجل الحرية والاستقلال والعودة، حتى غادر الدنيا صابراً محتسباً وهو يلتحم مع أبناء شعبه فوق أرض قطاع غزة الصامد.
مسيرة حافلة بالتضحية والعطاء من العمل الأكاديمي إلى الحقائب الوزارية
لقد كانت مسيرة الدكتور عطا الله أبو السبح، رحمه الله، نموذجاً فريداً للتفاني في خدمة المشروع الوطني الفلسطيني، حيث لم ينفصل يوماً عن هموم شعبه، بل كانت له بصمات واضحة وتاريخية في ملفات حساسة وشائكة، وعلى رأسها ملف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني.
فقد شغل أبو السبح منصب وزير شؤون الأسرى والمحررين، وعرف بنشاطه الدبلوماسي والميداني المكثف لتدويل معاناة المعتقلين وفضح انتهاكات الاحتلال أمام المحافل الدولية، كما تولى حقيبة وزارة الثقافة في الحكومة الفلسطينية العاشرة.
حيث سعى من خلالها إلى تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية ومواجهة محاولات الطمس الثقافي، وبالإضافة إلى دوره الرسمي، كان أبو السبح أستاذاً جامعياً مرموقاً في الجامعة الإسلامية بغزة، تخرجت على يديه أجيال من الشباب الفلسطينيين الذين استلهموا منه معاني الصمود والتمسك بالحقوق الوطنية والشرعية الدولية.
من اللجوء في رفح إلى الدكتوراه من السودان.. رحلة العلم والعودة
وُلد الفقيد عطا الله أبو السبح في عام النكبة 1948 في قرية "السوافير الشرقي" الواقعة شمال مدينة عسقلان، وهي إحدى القرى التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي وشرد أهلها، لتبدأ رحلته مع اللجوء مبكراً في مخيمات رفح جنوب قطاع غزة، ومن رحم المعاناة واللجوء، شق أبو السبح طريقه نحو العلم والتميز، حيث تابع دراسته في كلية مجتمع رام الله ثم في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، ولم يتوقف طموحه العلمي عند هذا الحد، بل واصل مسيرته الأكاديمية حتى حصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم درمان الإسلامية في السودان عام 1995.
وقد ساهمت هذه الخلفية الأكاديمية العميقة في تشكيل رؤيته السياسية والفكرية، حيث زاوج في مؤلفاته وأطروحاته بين البعد الفقهي الإسلامي والبعد الوطني الإنساني، مما جعله مرجعية فكرية تحظى باحترام واسع في الأوساط المجتمعية والساحة الوطنية الفلسطينية بكافة أطيافها.
عطا الله أبو السبح الشاعر والأديب.. الكلمة في خدمة المقاومة
إلى جانب أدواره السياسية والأكاديمية، برز الدكتور عطا الله أبو السبح كأديب وشاعر وكاتب له حضور لافت في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي، حيث أصدر العديد من الدواوين الشعرية والمؤلفات الأدبية التي تناولت قضايا المجتمع والسياسة برؤية فنية عميقة، وكان يؤمن أن الكلمة هي رصاصة في وجه المحتل، وأن الأدب هو الحصن المنيع الذي يحمي الذاكرة الفلسطينية من النسيان، فكتب عن القرية المدمرة، وعن عذابات الأسير خلف القضبان، وعن أمل العودة الذي لم يغادره يوماً.
وتميزت كتاباته بأسلوب يجمع بين الجزالة اللغوية والبساطة التي تصل إلى قلوب عامة الناس، مما جعل من أشعاره ملاحم يتغنى بها الشباب الفلسطيني في مسيراتهم واحتفالاتهم الوطنية، لتظل هذه المؤلفات إرثاً ثقافياً خالداً يؤرخ لمرحلة هامة من مراحل النضال الفلسطيني المعاصر ضد الظلم والعدوان.
إرث الدكتور أبو السبح كمنارة للأجيال القادمة
يمثل رحيل الدكتور عطا الله أبو السبح خسارة كبيرة لفلسطين وللحركة الوطنية الإسلامية، فقد ترجل الفارس الذي لم يلقِ سلاح الكلمة يوماً، وظل مخلصاً لمبادئه حتى الرمق الأخير، إن الإرث الذي تركه "أبو علاء" في السياسة والفكر والأدب سيبقى منارة تهتدي بها الأجيال الصاعدة من الفلسطينيين الطامحين للحرية.
وستظل سيرته كوزير للأسرى ومدافع عن المظلومين حاضرة في وجدان كل من عرفه أو تلمذ على يديه، إن حركة حماس وهي تنعى قائدها، تؤكد أن مسيرة المقاومة والفكر ستستمر مستلهمة من هؤلاء العظماء معاني الثبات والرباط.










