21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

من مستشفى المعمداني إلى حي الزيتون.. رحلة البحث عن المفقودين ونقل الرفات لمقابر رسمية بغزة

من مستشفى المعمداني إلى حي الزيتون.. رحلة البحث عن المفقودين ونقل الرفات لمقابر رسمية بغزة

بقلم: محمد خميس
٢٥ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
11 مشاهدة
غزة

غزة

من مستشفى المعمداني إلى حي الزيتون.. رحلة البحث عن المفقودين ونقل الرفات لمقابر رسمية بغزة

أعلنت طواقم الدفاع المدني في قطاع غزة، اليوم الأحد، عن انتشال جثامين 50 شهيداً من ساحات مسجد صلاح الدين الواقع في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، وذلك تمهيداً لنقلها إلى المقابر الرسمية المخصصة في إطار عملية تنظيمية تهدف إلى إكرام الشهداء وإنهاء ظاهرة المقابر العشوائية التي فرضتها ظروف الحرب القاسية.

وأفادت مصادر محلية بأن هؤلاء الشهداء كانوا قد دُفنوا بشكل اضطراري ومؤقت داخل ساحة المسجد خلال فترات حرب الإبادة الجماعية التي تعرض لها القطاع، نتيجة لخطورة الأوضاع الأمنية وتعذر الوصول إلى المقابر العامة التي كانت تقع ضمن مناطق سيطرة قوات الاحتلال.

 

 وتأتي هذه الخطوة استمراراً لجهود طواقم الدفاع المدني التي تواصل عمليات البحث والتفتيش الدقيق في محيط المسجد والمناطق المجاورة لضمان انتشال كافة الرفات ونقلها لإتمام إجراءات الدفن وفق البروتوكولات الدينية والمعمول بها رسمياً، وسط حضور من الأهالي والجهات المختصة التي تعمل على توثيق كل حالة بدقة متناهية.

بروتوكولات التوثيق والعينات البيولوجية لضمان حقوق عائلات الشهداء

شرعت طواقم الدفاع المدني بالتعاون مع وزارة الصحة الفلسطينية في تنفيذ إجراءات فنية وقانونية معقدة لتوثيق جثامين الشهداء، لاسيما المجهولين منهم، حيث يتم منح كل جثمان رقماً خاصاً وتؤخذ منه عينة بيولوجية تُحفظ لدى الوزارة في سجلات وطنية متخصصة، وأوضح الناطق باسم الدفاع المدني، محمود بصل في تصريحات صحفية هامة، أن عملية ترقيم الجثامين تهدف إلى تسهيل التعرف على أصحابها مستقبلاً من خلال فحوصات الحمض النووي "DNA" فور توفر الأجهزة المخبرية اللازمة داخل القطاع أو في حال تمكنت الجهات الدولية من إرسال هذه العينات إلى المختبرات في الخارج.

وأكد بصل أن هذه العينات تمثل الملاذ الأخير لعائلات المفقودين لمعرفة مصير أبنائهم، مشيراً إلى أن الدافع الرئيسي وراء نقل الجثامين في هذا الوقت هو إكرام هؤلاء الشهداء بدفنهم في أماكن لائقة ومعروفة، بالإضافة إلى تمكين المرافق الحيوية مثل المستشفيات والمساجد من العمل بأريحية تامة لتقديم الخدمات للمواطنين دون معوقات لوجستية ناتجة عن وجود المقابر في ساحاتها.

المقابر العشوائية في غزة.. واقع فرضه الحصار والعدوان الوحشي

خلال عامي الحرب الدامية، اضطر المواطنون الفلسطينيون في مختلف محافظات قطاع غزة إلى تحويل الساحات العامة والحدائق المنزلية والمدارس وحتى الشوارع إلى مقابر مؤقتة لمواراة جثامين ذويهم الثرى، وذلك بسبب الاستهداف المباشر لكل من يتحرك في الطرقات المؤدية للمقابر الرسمية.

 وقد وثق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان وجود عشرات المقابر العشوائية المنتشرة في عمق الأحياء السكنية، مما يعكس حجم المأساة التي عاشها السكان الذين لم يجدوا مكاناً آمناً لدفن موتاهم.

 ويذكر أن الدفاع المدني كان قد استخرج في السابع من ديسمبر الماضي رفات 48 فلسطينياً من مقابر عشوائية داخل مستشفى المعمداني، كان من بينهم 25 شهيداً مجهولي الهوية، مما يبرز حجم العبء الملقى على عاتق الجهات المختصة التي تحاول الآن، وبعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الماضي، إعادة تنظيم هذا الملف الإنساني الثقيل بما يحفظ كرامة الشهداء وحق ذويهم في زيارة قبورهم والتعرف عليهم.

تحديات التعرف على الضحايا وجهود الجهات المختصة بإمكانات محدودة

تبذل طواقم البحث والإنقاذ جهوداً مضنية بمعدات وإمكانات محدودة للغاية نتيجة الحصار المستمر وتدمير الآليات الثقيلة، حيث تعتمد في كثير من الأحيان على التعرف اليدوي عبر الاستعانة بعائلات المفقودين لمطابقة الملابس أو العلامات الجسدية المميزة والسمات الخاصة بكل شهيد، ومنذ توقف العدوان المباشر، تحولت عمليات انتشال الجثامين من تحت أنقاض المنازل المدمرة ومن المقابر العشوائية إلى مهمة وطنية منظمة تهدف إلى حصر أعداد الضحايا وتوثيق جرائم الحرب التي ارتكبت بحق المدنيين.

 وتواجه هذه الفرق صعوبات بالغة في التعامل مع الجثامين التي تحللت نتيجة مرور فترات طويلة على دفنها في ظروف غير ملائمة، إلا أن الإصرار على استكمال هذا الملف يظل أولوية قصوى لوزارة الصحة والدفاع المدني، تأكيداً على أن حقوق هؤلاء الشهداء في التوثيق والتعريف لا تسقط بالتقادم، وأن توفير قاعدة بيانات بيولوجية هو الخطوة الأولى نحو تحقيق العدالة لذويهم.

إكرام الشهداء كجزء من مسيرة الصمود وإعادة بناء المجتمع

تظل عملية انتشال الـ 50 جثماناً من مسجد صلاح الدين بحي الزيتون صرخة في وجه المجتمع الدولي حول حجم الفظائع التي ارتكبت في غزة، حيث لم يجد الفلسطينيون مكاناً لدفن موتاهم سوى بيوت الله والساحات العامة.

 إن انتقال الدفاع المدني من مرحلة العمل تحت القصف إلى مرحلة تنظيم المقابر وتوثيق الشهداء بيولوجياً يعكس إرادة صلبة في الحفاظ على الهوية والذاكرة الوطنية، إن إكرام هؤلاء الشهداء بدفنهم في مقابر رسمية هو حق إنساني وديني أصيل، وهو جزء لا يتجزأ من مسيرة الشفاء الطويلة التي يحتاجها المجتمع الغزي للتعافي من آثار حرب الإبادة.

 وستبقى عينات الـ DNA والارقام المسجلة في دفاتر وزارة الصحة هي الشهود الصامتين على تضحيات شعب رفض الانكسار، بانتظار اليوم الذي تجتمع فيه هذه العينات مع هويات أصحابها لتروي قصص البطولة والشهادة لكل فرد من أبناء غزة العزة.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

من مستشفى المعمداني إلى حي الزيتون.. رحلة البحث عن المفقودين ونقل الرفات لمقابر رسمية بغزة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°