4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

كوباني بين الهدنة الهشّة وحسابات القوة: الشمال الشرقي السوري بين إدارة مؤقتة وأمن بلا سيادة

في ظل مشهد ميداني بالغ التعقيد، وصلت قافلة تابعة للأمم المتحدة إلى مدينة كوباني شمال شرقي سوريا، في خطوة إنسانية تحمل أبعادًا تتجاوز الإغاثة المباشرة

بقلم: سماح عثمان
٢٦ يناير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
12 مشاهدة
كوباني بين الهدنة الهشّة وحسابات القوة

كوباني بين الهدنة الهشّة وحسابات القوة

في ظل مشهد ميداني بالغ التعقيد، وصلت قافلة تابعة للأمم المتحدة إلى مدينة كوباني شمال شرقي سوريا، في خطوة إنسانية تحمل أبعادًا تتجاوز الإغاثة المباشرة، لتلامس جوهر التوازنات الأمنية والسياسية في واحدة من أكثر مناطق البلاد حساسية. هذه التطورات تأتي بالتزامن مع توتر ميداني متصاعد، ما يضع مسار الهدنة القائم أمام اختبار جديد.

القافلة الأممية إلي كوباني

رغم الطابع الإنساني المعلن لوصول القافلة، إلا أن توقيتها يفتح باب التساؤلات حول دلالاته الأمنية. فكوباني تمثل نقطة تماس مباشرة بين قوات سوريا الديمقراطية من جهة، والقوى الإقليمية الفاعلة من جهة أخرى، ما يجعل أي تحرك أممي فيها مرتبطًا ضمنيًا بمحاولة تثبيت خطوط التهدئة ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

وتسعى الأمم المتحدة، عبر هذا الحضور الميداني، إلى الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة، خاصة في ظل هشاشة البنية الخدمية، وتصاعد المخاوف من موجات نزوح جديدة في حال انهيار التفاهمات الأمنية.

الهدنة تحت ضغط الميدان

تواجه الهدنة غير المعلنة في الشمال الشرقي ضغوطًا متزايدة، بفعل تعدد القوى العسكرية وتضارب الأجندات. فالمنطقة لا تخضع لسلطة مركزية واحدة، بل تُدار وفق توازن دقيق بين “قسد”، والوجود الأميركي، والضغوط التركية، إلى جانب مراقبة مباشرة من دمشق وحلفائها.

أي احتكاك محدود أو خطأ ميداني قد يتحول سريعًا إلى شرارة تصعيد، خصوصًا في ظل غياب إطار سياسي نهائي ينظم مستقبل المنطقة، واعتماد الهدوء الحالي على تفاهمات مؤقتة أكثر منه اتفاقات مستقرة.

إدارة الشمال الشرقي… معضلة الأمن والسياسة

تعكس تطورات كوباني الإشكالية الأساسية في إدارة مناطق الشمال الشرقي: سلطة أمنية قائمة دون غطاء سياسي معترف به دوليًا. هذا الواقع يجعل المنطقة عرضة للابتزاز الإقليمي، ويُضعف قدرتها على فرض استقرار طويل الأمد.

وتبرز هنا معضلة مزدوجة:

  • أمنيًا: الحاجة إلى ضبط الحدود وخلايا التنظيمات المتطرفة ومنع أي اختراق يهدد التوازن القائم.

  • سياسيًا: غياب تسوية شاملة تدمج هذه المناطق ضمن الدولة السورية وفق صيغة متفق عليها، وهو ما يبقي الهدنة معلّقة وقابلة للانفجار.

احتمالات التصعيد… السيناريوهات المفتوحة

يمكن قراءة المشهد الأمني في كوباني ضمن ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

  1. الاحتواء المؤقت: استمرار الهدوء الهش بدعم أميركي وضغط دولي، مع بقاء القافلة الأممية كجزء من إدارة الأزمة لا حلّها.

  2. تصعيد محدود: عبر ضربات أو اشتباكات موضعية تُستخدم كورقة ضغط سياسية دون الانجرار إلى حرب واسعة.

  3. انفجار أوسع: في حال تراجع الضمانات الدولية أو تغيّر موازين الإقليم، ما قد يعيد خلط الأوراق في كامل الشمال الشرقي.

تقييم للمشهد

وصول القافلة الأممية إلى كوباني يسلّط الضوء على هشاشة الاستقرار في الشمال الشرقي السوري، حيث تتقدّم المعالجات الإنسانية على الحلول السياسية، ويُدار الأمن بمنطق التوازن لا السيادة. وبين هدنة بلا ضمانات، وميدان قابل للاشتعال، تبقى المنطقة معلّقة على خيط رفيع، قد يصمد مؤقتًا… لكنه لا يكفي لبناء استقرار دائم.

يبقى جوهر الأزمة في الشمال الشرقي أن الهدنة تُدار أمنيًا دون مظلة سياسية جامعة. ومع غياب حل نهائي يحدد مستقبل المنطقة ضمن الدولة السورية، ستظل التفاهمات القائمة مؤقتة، والهدوء هشًا، والاستقرار رهينة التوازنات الخارجية أكثر من كونه نتاجًا لإرادة داخلية.

في المحصلة، فإن مسار الهدنة في الشمال الشرقي السوري لا يعكس نهاية الصراع، بل تجميده مؤقتًا، بانتظار لحظة إقليمية قد تعيد فتح كل الملفات دفعة واحدة.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

كوباني بين الهدنة الهشّة وحسابات القوة: الشمال الشرقي السوري بين إدارة مؤقتة وأمن بلا سيادة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°