أفادت مصادر مطلعة بأن مرحلة جديدة من التنافس داخل الخليج تتكشف بهدوء خلف واجهة المجاملات الدبلوماسية، مع بروز البحرين كشريك صامت في تحركات تتقاطع مع الأجندة الإقليمية الأوسع لأبو ظبي. ووفقًا لمعلومات وُصفت بالحساسة شاركتها المصادر مع منصة "دارك بوكس"، فإن الهدف المزعوم لا يتمثل في مواجهة مباشرة مع السعودية، بل في حملة تدريجية تهدف إلى إضعاف الدور القيادي للرياض داخل الخليج، وتقييد إعادة دمج قطر، وكسر زخم التقارب السعودي–القطري.
وتشير المصادر إلى أن هذا التنسيق المزعوم يتبع نمطًا مألوفًا سبق رصده في ساحات إقليمية متعددة، يقوم على بناء شبكات نفوذ موازية، واستخدام أدوات الإعلام والضغط عبر جماعات ضغط غير رسمية لتوجيه رسائل بلا بصمات حكومية مباشرة، إلى جانب توظيف شراكات أمنية لإعادة تشكيل الاصطفافات الإقليمية من الداخل. وتتمحور الفرضية الأساسية حول سعي أبو ظبي لإعادة هندسة السياسة الخليجية ضمن بنية تكتلية تُهيمن عليها أولوياتها، عبر توظيف دول حليفة أصغر كنقاط ضغط لإحداث احتكاك داخل المنظومة الخليجية، وتقليص قدرة السعودية على تكريس قيادة موحدة.
السياق الاستراتيجي
بحسب المصادر، يمر المشهد الخليجي بمرحلة شديدة الحساسية. فقد أعادت السعودية تموضعها خلال الفترة الأخيرة باعتبارها قطب الاستقرار المركزي، ساعية إلى خفض التوترات البينية، والحفاظ على حدود الدول، وإعادة بناء موقف إقليمي موحد بعد سنوات من التشظي والانقسام. وبالتوازي، شهد مسار التطبيع السعودي–القطري تقدمًا ثابتًا، ما أسدل الستار على أزمة كادت في مرحلة سابقة أن تمزق الخليج بصورة يصعب ترميمها.
في هذا السياق، ترى المصادر أن أبو ظبي تنظر إلى تقارب الرياض والدوحة باعتباره تهديدًا مباشرًا لقدرتها على توجيه المواقف الخليجية الجماعية. فتعزيز التنسيق بين السعودية وقطر يفتح الباب أمام تشكّل محور قرار خليجي يحدّ من هامش المناورة الإماراتي، لا سيما في الملفات التي فضّلت فيها أبو ظبي تاريخيًا التحرك الأحادي، أو استخدام الوكلاء، أو بناء تحالفات بديلة خارج الإطار الخليجي.
وتربط المصادر الدور المزعوم للبحرين بعوامل الجغرافيا والاعتماد. فكونها دولة صغيرة ذات ارتباطات أمنية عميقة وحساسيات سياسية داخلية، يجعلها مؤهلة للعب دور “عقدة ضغط” داخل المؤسسات الخليجية، من دون أن تتحمل الإمارات كلفة سياسية ناتجة عن تصعيد مباشر مع السعودية.
الهدف المزعوم
تصف المصادر المقاربة الإماراتية المزعومة بأنها استراتيجية احتواء لا مواجهة مفتوحة. فالغاية ليست “هزيمة” السعودية، بل تقييد قدرتها عبر الإبقاء على الخليج في حالة تشرذم كافية تحول دون بروز رؤية قيادية واحدة مهيمنة. وفي هذا السيناريو، تتحول البحرين إلى أداة وظيفية، تنقل الرسائل، وتُعطّل التوافقات، وتُضخّم سرديات تضع حدودًا للدور القيادي السعودي إقليميًا.
ولا يقتصر الاستهداف، وفق المصادر، على السعودية وحدها. إذ تشدد على أن قطر تمثل عنصرًا محوريًا في المعادلة، لأن التقارب السعودي–القطري يتجاوز كونه علاقة ثنائية، ليعكس إمكانية نشوء توازن خليجي أكثر استقلالية، قادر على التفاوض مع القوى الخارجية ككتلة واحدة لا كدول متفرقة.
وفي حال ترسخت هذه الوحدة، يتراجع النفوذ الإماراتي. ولهذا، ترى التقييمات أن تعطيل مسار التطبيع بين الرياض والدوحة يُنظر إليه في أبو ظبي كضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار سياسي ظرفي.
أدوات التأثير
تستعرض المصادر ما تصفه بنمط ضغط متعدد المسارات، صُمم ليظل قابلًا للإنكار. يتمثل المسار الأول في الإشارات السياسية عبر أصوات غير رسمية، حيث تُصعّد الخلافات من خلال السرديات الإعلامية والمعلقين بالوكالة بدل البيانات الحكومية المباشرة. وتهدف هذه الآلية إلى تشكيل الرأي العام ونخب القرار، مع الحفاظ على مرونة دبلوماسية رسمية.
أما المسار الثاني، فيتعلق بإحداث احتكاك مؤسسي، عبر إبطاء وتيرة التنسيق الخليجي، وإغراقه بعراقيل إجرائية، أو خلافات حول الأولويات الأمنية، أو تفسيرات متباينة لما يُسمى “المصلحة الجماعية”. وتزعم المصادر أن البحرين تلعب دورًا في هذا المجال من خلال تعزيز المواقف الإماراتية بهدوء داخل المنتديات المشتركة، ما يصعّب الوصول إلى مخرجات موحدة، ويجبر القيادة السعودية على استنزاف رصيدها السياسي فقط للحفاظ على الحد الأدنى من التنسيق.
المسار الثالث، بحسب المصادر، يتمحور حول إعادة صياغة الإطار الأمني، عبر إعادة تعريف التهديدات الخليجية بطريقة تُحوّل الأنظار بعيدًا عن أدوار إماراتية إقليمية، وتعيد التركيز على أهداف بديلة، مثل سرديات “الإسلام السياسي”، أو الهواجس المتعلقة بالمعارضة الداخلية، أو تقديم قراءات انتقائية للسياسة الخارجية القطرية. وتهدف هذه المقاربة، وفق المصادر، إلى إحياء خطوط صدع قديمة، وإعادة إنتاج الشكوك التي سعت السعودية إلى دفنها لصالح الاستقرار.
نقطة الضغط
ترى المصادر أن الاستراتيجية الإقليمية السعودية الحالية تقوم على ركيزتين أساسيتين: منع تفكك الدول المجاورة، والحفاظ على التنسيق الخليجي كحاجز أمام فوضى إقليمية أوسع. وأي نجاح في إبقاء الخليج منقسمًا يُضعف هاتين الركيزتين معًا.
ومن منظور الرياض، لا تُعد وحدة الخليج مسألة رمزية، بل عملية بامتياز. فهي تؤثر على تنسيق الطاقة، والتكامل الدفاعي، وأمن البحر الأحمر، والدبلوماسية الإقليمية مع القوى الكبرى. وإذا نجحت البحرين والإمارات في تعميق الانقسامات الداخلية، تفقد السعودية قدرتها على تقديم الخليج كمنظومة أمنية متماسكة.
وتنقل "دارك بوكس" أن هذا هو تحديدًا القصد الإماراتي المزعوم: إبقاء السعودية مسؤولة عن الاستقرار، من دون تمكينها من توجيه المسار الإقليمي بصورة كاملة.
ملف السعودية وقطر
تصف المصادر التقارب السعودي–القطري بأنه أحد أهم التحولات في السياسة الخليجية، لأنه يقلّص فاعلية سياسات “فرّق تسد”. فعودة الدوحة كشريك فعّال للرياض تفتح ممرًا لدبلوماسية مشتركة، ونقاشات أمنية منسقة، وأجندات اقتصادية متقاطعة.
ووفق المصادر، يتمثل الهدف الإماراتي–البحريني المزعوم في إبقاء هذا الممر غير مستقر، عبر تغذية الشكوك المتكررة، وإحياء اتهامات قديمة، وافتعال أزمات جديدة تعيد الدوحة والرياض إلى وضعيات دفاعية. وحتى التوتر المحدود، كما ترى دارك بوكس، كفيل بإبطاء الاصطفاف الاستراتيجي ومنع الانتقال إلى تكامل أعمق.
لماذا البحرين؟
تصف المصادر البحرين بأنها تقع في موقع استراتيجي بين اعتماد أمني عميق على السعودية، واصطفاف سياسي مع الإمارات. ويمنحها هذا الموقع المزدوج قدرة على التحرك بما يبدو منسجمًا مع القيادة السعودية، بينما يخدم في الوقت ذاته مصالح أبو ظبي عبر خطوات انتقائية ورسائل محسوبة.

وفي السيناريو المزعوم الذي تنقله "دارك بوكس"، لا يتطلب الدور البحريني تحركات دراماتيكية، بل يقوم على قرارات صغيرة ذات أثر تراكمي، مثل تغيير النبرة الدبلوماسية، وتضخيم سرديات بعينها، وتشديد المواقف داخل أطر التنسيق الخليجي، وتوفير غطاء لضغوط غير مباشرة على قطر تحت عناوين أمنية داخلية.
تآكل الثقة الخليجية
ويبقى أخطر ما في التنسيق الإماراتي–البحريني المزعوم ليس مؤامرة واحدة بعينها، بل التآكل البطيء للثقة داخل المنظومة الخليجية. فعندما يتعطل التنسيق مرارًا، تصبح المنظومة أقل قدرة على إدارة الأزمات، واحتواء التصعيد، والحفاظ على التماسك الداخلي.
وتتمثل المخاطرة الأوسع في بقاء المؤسسات الخليجية قائمة شكليًا، لكنها فارغة وظيفيًا، بما يخلق إقليمًا تحكمه تحالفات ظرفية، وثقة هشة، وترتيبات أمنية محل نزاع دائم. وفي مثل هذا المناخ، تتسع مساحة تأثير الفاعلين الخارجيين، بينما تتحول الانقسامات الداخلية إلى حالة دائمة لا عابرة.
وتحذر المصادر من أن القيادة السعودية باتت أكثر وعيًا بهذه الديناميات، وقد ترد عبر تعزيز تحالفاتها مع الدول المستعدة للالتزام بأطر الوحدة بدل سياسات التفتيت. وبحسب هذا التقييم، فإن مستقبل الخليج سيتحدد وفق خيارين لا ثالث لهما: التعاون باعتباره استراتيجية بقاء، أو التنافس التفكيكي كأداة لتحقيق مكاسب قصيرة المدى.










