أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، الإثنين، العثور على جثمان الجندي ران غويلي، آخر أسير إسرائيلي كانت جثته محتجزة في قطاع غزة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023. الإعلان، الذي جاء بعد عملية عسكرية مركزة داخل مقبرة في قطاع غزة، أنهى ملفًا استخدمته إسرائيل لأكثر من عامين كورقة ضغط سياسية وأمنية، وفتح عمليًا الباب أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاصة بغزة.
ورغم الطابع “الإنساني” المعلن للحدث، فإن تداعياته السياسية بدت فورية، إذ سقط الشرط الإسرائيلي المعلن سابقًا بعدم التقدم في أي مسار سياسي أو مدني قبل “إغلاق ملف الجثامين”. ومع هذا التطور، دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من الجدل الداخلي حول تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب، بين حكومة ترى نفسها أمام “إنجاز أمني”، ومعارضة تعتبر ما جرى كشفًا لفشل استراتيجي طويل.
خطة ترامب والمرحلة الثانية
المرحلة الثانية من خطة ترامب، التي أُقرت ضمن إطار دولي أوسع نهاية 2025، تتجاوز وقف إطلاق النار إلى إعادة هندسة المشهد في قطاع غزة. وتشمل هذه المرحلة نزع سلاح حركة حماس تدريجيًا، وتشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية مؤقتة لإدارة القطاع، ونشر قوة استقرار دولية بإشراف أمريكي، إلى جانب إطلاق مسار واسع لإعادة الإعمار والاستثمار.
إسرائيل ربطت هذه المرحلة منذ البداية بشروط صارمة، أبرزها استعادة جميع الأسرى والجثامين، واعتبرت جثة غويلي “خطًا أحمر” لا يمكن تجاوزه. لكن العثور على الجثمان، بعملية إسرائيلية مباشرة، أزال آخر العوائق الشكلية، ووضع حكومة بنيامين نتنياهو أمام اختبار سياسي حقيقي: هل تمضي في تنفيذ المرحلة الثانية كما تريدها واشنطن، أم تعرقلها لحسابات داخلية؟
حكومة نتنياهو
داخل الحكومة الإسرائيلية، جرى تسويق العثور على الجثمان باعتباره “إنجازًا وطنيًا وأمنيًا”، يسمح لإسرائيل بالتحرك من موقع قوة. مكتب نتنياهو شدد في بيان رسمي على أن “إسرائيل أوفت بالتزامها الأخلاقي تجاه جنودها”، في محاولة لإظهار الحدث كنجاح للنهج العسكري وليس كنتيجة لضغوط سياسية أمريكية.
لكن خلف هذا الخطاب، تتعامل الحكومة مع المرحلة الثانية بحذر شديد. نتنياهو، الذي يربط مصيره السياسي بالعلاقة مع ترامب، يرى في تنفيذ الخطة فرصة لتعزيز التحالف مع أمريكا، لكنه يخشى أن تتحول الخطة إلى مسار يفرض عليه تنازلات أمنية، خاصة في ما يتعلق بنزع سلاح حماس بشكل جزئي أو منحها مخرجًا سياسيًا غير مباشر.
وزراء اليمين المتطرف عبّروا بوضوح عن هذا القلق. بتسلئيل سموتريتش اعتبر أن الانتقال للمرحلة الثانية “مخاطرة استراتيجية” إذا لم يترافق مع سيطرة إسرائيلية كاملة، محذرًا من أن إشراك أطراف مثل تركيا وقطر في آليات الإشراف “يعني إعادة تدوير نفوذ حماس بأدوات ناعمة”. أما إيتمار بن غفير فذهب أبعد، ملوحًا بإمكانية العودة للحرب إذا جرى أي تساهل في ملف نزع السلاح أو ما وصفه بـ“العفو المقنّع”.
خلافات الائتلاف
هذا الموقف كشف تصدعات داخل الائتلاف الحاكم. فبينما يسعى نتنياهو لإدارة المرحلة الثانية بمرونة تكتيكية ترضي واشنطن، يتمسك شركاؤه اليمينيون بخطاب صدامي يرفض أي مسار سياسي طويل الأمد في غزة. هذا التناقض يضع نتنياهو أمام معضلة: إما الالتزام الكامل بخطة ترامب وتحمل خطر تفكك حكومته، أو إبطاء التنفيذ والدخول في مواجهة غير مباشرة مع الإدارة الأمريكية.
المصادر الإسرائيلية نفسها تقر بأن نتنياهو يستخدم لغة مزدوجة؛ خطاب مطمئن لترامب حول “التقدم”، وخطاب متشدد داخليًا يركز على “السيادة والأمن”. لكن هذه المعادلة تبدو هشة، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية داخلية واحتمال انتخابات مبكرة في 2026.
موقف المعارضة
في المقابل، تعاملت المعارضة الإسرائيلية مع العثور على الجثمان باعتباره نهاية مأساوية لملف كان يمكن إغلاقه مبكرًا. يائير لابيد وصف الحدث بأنه “لحظة حزينة ومؤلمة”، لكنه استغلها لتوجيه هجوم مباشر على نتنياهو، متهمًا إياه بإطالة أمد الملف واستخدامه لأغراض سياسية، ثم الاضطرار في النهاية للسير خلف ترامب دون شروط حقيقية.
المعارضة ترى أن المرحلة الثانية من الخطة تمثل فرصة لإعادة ترتيب العلاقة مع غزة على أسس سياسية، لكنها تشكك في قدرة نتنياهو على إدارتها. يائير غولان اعتبر أن ما جرى “لا يعني نهاية الصراع، بل بداية اختبار جديد”، محذرًا من أن اليمين الحاكم سيقود إسرائيل إلى عزلة أعمق إذا استمر في مقاربة أمنية صِرفة.
أحزاب الوسط واليسار ترى كذلك أن فتح معبر رفح بعد العثور على الجثمان يؤكد أن إسرائيل كانت تستخدم الملف كورقة ضغط فقط، وأن قرار الفتح لم يكن أمنيًا بقدر ما كان سياسيًا، مرتبطًا بتوقيت أمريكي وإملاءات واضحة من إدارة ترامب.
معبر رفح
إعلان إسرائيل نيتها فتح معبر رفح عقب العثور على الجثمان اعتُبر مؤشرًا عمليًا على بدء تنفيذ المرحلة الثانية، رغم محاولات التخفيف من دلالته. الحكومة تصفه كـ“خطوة مدنية محسوبة”، بينما ترى المعارضة أنه اعتراف ضمني بأن شروط إسرائيل السابقة سقطت.
فتح المعبر، وفق القراءة التحليلية، لا يعني فقط تسهيل الحركة، بل إدخال غزة في مسار جديد من الإشراف الدولي والاقتصادي، وهو ما يثير مخاوف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من فقدان السيطرة التدريجية على أدوات الضغط التقليدية، خصوصًا إذا تزامن مع بدء مشاريع إعادة الإعمار.
تأثير سياسي
العثور على جثة غويلي أزال ذريعة مركزية كانت تُستخدم لتعطيل المرحلة الثانية، لكنه في الوقت نفسه كشف عمق الانقسام داخل إسرائيل. الحكومة لم تعد قادرة على التذرع بملف الأسرى، والمعارضة وجدت مادة جديدة لتأكيد سردية “الفشل والارتهان لواشنطن”.
على المستوى الأوسع، يظهر أن إسرائيل انتقلت من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة إدارة النتائج، وهي مرحلة أكثر تعقيدًا سياسيًا. فنجاح المرحلة الثانية قد يمنح نتنياهو إنجازًا دوليًا، لكن فشلها أو تعثرها قد يفجّر حكومته من الداخل، خاصة إذا تبيّن أن نزع سلاح حماس لن يتم بالشكل الذي يطالب به اليمين.
في المحصلة، لا يمثل العثور على جثة ران غويلي نهاية ملف بقدر ما يشكل بداية اختبار جديد. المرحلة الثانية من خطة ترامب باتت أمرًا واقعًا، وفتح معبر رفح مؤشر أولي على ذلك، لكن طريقة التنفيذ، وحدود التنازلات، ستحدد ما إذا كانت إسرائيل تتجه نحو تسوية مضبوطة أمريكيًا، أم نحو أزمة داخلية أعمق تعكس عجزها عن تحويل القوة العسكرية إلى مكسب سياسي مستقر.








