يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إعادة صياغة كاملة للأمن الإقليمي لخدمة بقائه السياسي.
غزة: «فخ» إعادة الإعمار ومعادلة السلاح (نزع شرعية المقاومة)
أ. يُظهِر إصرار نتنياهو على «لا إعمار قبل نزع السلاح» تصلُّباً تكتيكياً يخدم وظيفتين متزامنتين: امتصاص غضب اليمين المتطرف، ووضع حماس أمام خيارين أحلاهما مُرٌّ (التسليم بالنزع أو تحمُّل تباطؤ الإعمار).
ب. لكنّ المعادلة تتضمَّن كلفة استراتيجية: إذا ما انهارت المفاوضات فإن إعادة الاشتعال العسكري ستُلحق ضرراً بمكانة إسرائيل الدولية، وتُعقِّد جهود واشنطن لإعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية.
ج. من زاوية بنيوية، تُعَدُّ حماس فاعلاً غيرَ قابل للحذف من معادلة الأمن الإسرائيلي؛ وبالتالي فإن أي صيغة لنزع السلاح تُفتَرض أن تكون تدريجية ومرتبطة بآليات ضبط إقليمية، لا بإملاءات أحادية.
أزمة الميزانية: الائتلاف على شفير «الانتحار السياسي»
أ. يكشف التعطُّل الحادّ في إقرار ميزانية 2026 هشاشة البناء الائتماري لحكومة نتنياهو: ائتلاف يجمع أطرافاً متناقضة المصالح (الحريديم، الاستيطان، العلمانيين اليمينيين) دون مادة لاصقة سوى البقاء في السلطة.
ب. المفارقة أن سقف الزمن الدستوري (31 آذار/مارس) يعمل كـ«قنبلة موقوتة» تُقوِّض هامش المناورة؛ ما يعني أن المعركة ليست مالية بل وجودية بالنسبة إلى مستقبل الكنيست الـ25.
ج. سياسياً، يعكس ابتزاز الأحزاب الحريدية استمرار ثقافة «الصفقات البلدية» التي تُعمِّق الإحجام عن معالجة التحديات البنيوية (البطالة، شريحة 20% الأكثر فقراً، انهيار التعليم).
«الأرانب السياسية»: الهروب إلى الأمام (إيران ولبنان)
أ. في ظل ضغط الشارع، يُعيد نتنياهو إحياء سيناريو «العدو الخارجي الكبير»؛ فالتسريبات المقصودة حول هجوم أميركي محتمل على إيران تُستخدَم لجرِّ واشنطن إلى خط مواجهة يُفترَض أنه يُعيد تجميع الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
ب. لكن حسابات القدرة الأميركية تبدو مغايرة: إدارة ترامب الجديدة تُبدي اهتماماً بالمفاوضات النووية التفاوضية أولاً، ولا تُخفِي استياءها من فكرة الانجرار إلى حرب إقليمية قبل استكمال إعادة تموضعها في الخليج.
ج. في الشمال، يُعَدُّ ملف «نزع سلاح حزب الله» أداة تبرير جاهزة لعملية عسكرية محدودة أو واسعة؛ غير أن تكرار سيناريو 2006 سيكون مُكلفاً لإسرائيل ولحليفتها الأميركية، في وقت تفتقر فيه تل أبيب إلى رؤية سياسية لما بعد أي اجتياح بري.
المعارضة وورقة «غانتس»
أ. يُظهِر يائير لابيد قدرة حشد شعبية، لكنه لم يُقدِّم بعد بديلاً حكومياً متكاملاً يستقطب شرائط الوسط.
ب. يبقى بيني غانتس «الورقة الجوكر»؛ فدخوله إلى حكومة طوارئ قد يُحلِّح عقدة التجنيد ويُفكِّك ضغط الحريديم، لكنه سيُكوِّن لنتنياهو «حماية سياسية» تمنحه أنفاساً إضافية وتُعقِّد فرص انتخابات مبكرة تُخرجه من المأزق.
ج. أمام غانتس معادلة أخلاقية-سياسية: إنقاذ الدولة من شلل مؤسَّسي مقابل تبييض وجه نتنياهو أمام الناخب اليميني.
الخلاصة
نتنياهو يُدرِك أن بقاءه السياسي مرتبط بإنتاج «حدث كبير» يُعيد صياغة الأجندة الإعلامية ويُعيد تمركزه كـ«رجل أزمات». غير أن هذا التكتيك يعكس ضعفاً بنيوياً: انعدام استراتيجية شاملة لغزة، وهشاشة الائتلاف، وتعويل مُفرِط على المتغيّرات الإقليمية.
وبالتالي فإن الرهان على «الحرب كمخرج» قد يُعجِّل بانفجار الأزمات الداخلية بدلاً من حلّها، ويُدخل إسرائيل في دائرة التآكل الاستراتيجي التي طالما حذَّر منها المحللون الأمنيون.









