فشل حكومة نتنياهو في الشمال.. تآكل الثقة يدفع آلاف المستوطنين للبحث عن بدائل بعيداً عن الحدود
كشف استطلاع للرأي نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية اليوم الأربعاء، عن أزمة عميقة وغير مسبوقة تضرب جذور الاستيطان في شمال فلسطين المحتلة.
حيث أكدت النتائج أن نحو 40% من المستوطنين في تلك المناطق يفكرون جديًا في مغادرة المنطقة بشكل نهائي وعدم العودة إليها مجدداً.
ويأتي هذا الاستطلاع الذي أُجري بمناسبة مرور عام على وقف إطلاق النار مع "حزب الله" اللبناني، ليوضح حجم الفجوة الهائلة بين وعود الحكومة الإسرائيلية وبين الواقع الميداني المنهار الذي يعيشه المستوطنون على خط المواجهة، مما يعكس تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية والاجتماعية لسكان تلك المناطق الذين باتوا يشعرون بأنهم "درع بشري" مهمل من قبل المستويات السياسية في تل أبيب.
ووصفت الصحيفة العبرية هذه النتائج بأنها تمثل "تهديداً استراتيجياً لوجود الاستيطان في الشمال"، محذرة من أن المسألة لم تعد مجرد أزمة عابرة أو رد فعل مؤقت على الحرب، بل هي تحول بنيوي قد يؤدي إلى إفراغ المنطقة الحدودية من سكانها على المدى البعيد.
وأشارت المعطيات إلى أن عملية الإجلاء الواسعة التي شملت مستوطنة "كريات شمونة" والمستوطنات المحيطة بها في السابع من أكتوبر 2023، تركت ندوباً نفسية واجتماعية لا يمكن ترميمها بسهولة.
حيث أفاد 36% من المشاركين في الاستطلاع بأن تجربة الإخلاء القسري كانت السبب المباشر والجوهري في اتخاذ قرار الرحيل النهائي، نتيجة فقدان الشعور بالأمان وتفكك الروابط المجتمعية التي كانت قائمة قبل اندلاع المواجهات.
فشل حكومة نتنياهو في الشمال.. تآكل الثقة يدفع آلاف المستوطنين للبحث عن بدائل بعيداً عن الحدود
تداعيات "ضربات المقاومة" والانهيار الأمني في المستوطنات الشمالية
منذ اندلاع شرارة المواجهات في تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحولت مستوطنة "كريات شمونة" ومعها عشرات المستوطنات الشمالية إلى أهداف يومية ومركزية لصواريخ ومسيرات "حزب الله"، وهو ما دفع الحكومة الإسرائيلية حينها إلى تفعيل خطة إخلاء طارئة في العشرين من الشهر ذاته.
وبالرغم من مرور الوقت وتوقف العمليات القتالية فعلياً على الأرض، إلا أن التأثير النفسي لصوت الانفجارات ومشاهد الدمار التي لحقت بالمنازل والبنية التحتية لا يزال حاضراً بقوة في مخيلة المستوطنين.
هذا الواقع فرض معادلة جديدة، حيث لم تعد القوة العسكرية الإسرائيلية قادرة على توفير الضمانات الكافية لإقناع هؤلاء بالعودة إلى بيئة يرون أنها أصبحت مكشوفة تماماً أمام نيران المقاومة اللبنانية في أي جولة تصعيد مستقبلية.
وعلى صعيد متصل، تعاني المستوطنات الشمالية من دمار واسع في مرافقها الحيوية، إذ لم تنجح الفرق الهندسية التابعة لحكومة الاحتلال في إتمام عمليات الترميم الموعودة.
ووفقاً للاستطلاع، فإن "التأخر المتعمد" في تنفيذ الوعود الحكومية المتعلقة بإعادة الإعمار وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه والطرق المتضررة، كان محركاً رئيسياً لليأس الجماعي السائد.
ويرى المستوطنون أن بقاء مدنهم في حالة خراب جزئي يعكس أولويات حكومة بنيامين نتنياهو التي تركز على ملفات سياسية وشخصية بعيداً عن معاناة سكان الحدود، مما عزز القناعة لديهم بأن الدولة العبرية قد تخلت فعلياً عن "حزامها الأمني المدني" في الجليل الأعلى.
احتجاجات المستوطنين وتصاعد الغضب ضد سياسات نتنياهو
لم يكتفِ المستوطنون بالصمت تجاه هذا التهميش، بل انخرطوا منذ أشهر في موجة احتجاجات متواصلة ومسيرات غاضبة ضد ما يصفونه بـ "تقاعس الحكومة" وعجزها عن تقديم حلول جذرية.
المتظاهرون يرفعون شعارات تتهم نتنياهو وحلفاءه ببيع "أمن الشمال" مقابل مكاسب سياسية في أماكن أخرى، مؤكدين أن غياب ميزانيات إعادة الإعمار الواضحة يعني دفع السكان نحو الهجرة العكسية إلى وسط فلسطين المحتلة (منطقة المركز) أو حتى الهجرة إلى خارج البلاد.
هذه الاحتجاجات تعكس حالة من التآكل في "المناعة القومية" للمستوطنين، وتؤكد أن الثقة بين الشارع والمؤسسة الحاكمة قد وصلت إلى أدنى مستوياتها التاريخية منذ تأسيس تلك المستوطنات.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن الشعور بـ "هجران المنطقة" لم يعد شعوراً فردياً بل تحول إلى ظاهرة جماعية تظهر في إغلاق المصالح التجارية الصغيرة، وتوقف التسجيل في المؤسسات التعليمية داخل المستوطنات الشمالية.
فبينما يحاول البعض إنقاذ ما تبقى من ممتلكاتهم المتضررة بفعل قصف المقاومة، تبحث الأغلبية الصامتة عن استقرار بديل بعيداً عن مدى صواريخ الكاتيوشا وبركان هذا النزوح لا يمثل خسارة ديموغرافية فحسب، بل يمثل انتصاراً معنوياً واستراتيجياً للمقاومة التي نجحت في فرض واقع "المنطقة العازلة" داخل الحدود التي يسيطر عليها الاحتلال، بدلاً من أن تكون داخل الأراضي اللبنانية.
مستقبل الجبهة الشمالية في ظل الواقع الاستراتيجي الجديد
إن المعطيات التي ساقها استطلاع "يسرائيل هيوم" تضع صناع القرار في تل أبيب أمام مأزق وجودي؛ فإما ضخ مليارات الشواكل في خطة إنقاذ فورية وشاملة، أو التسليم بتحول الشمال إلى منطقة ثانوية منزوعة السكان تقريباً.
وبالنظر إلى المديونية العالية وتكاليف الحرب الباهظة، يبدو أن خيار إعادة الإعمار السريع يواجه تحديات اقتصادية كبرى.
وفي الوقت نفسه، يواصل حزب الله تعزيز حضوره المعنوي عبر إبقاء التهديد قائماً، مما يجعل من أي محاولة للعودة مغامرة غير محسوبة العواقب بالنسبة للعائلات الاستيطانية التي فقدت الثقة في منظومة "الردع" الإسرائيلية.
يبدو أن تبعات الحرب على الجبهة الشمالية لم تنتهِ بتوقف المدافع، بل بدأت فصولها الأكثر خطورة الآن. إن رغبة 40% من المستوطنين في الرحيل هي صرخة تعكس فشل مشروع "توطين الحدود" أمام ضربات المقاومة وإهمال السلطة المركزية وإذا لم يتم تدارك هذا التدهور، فقد يشهد العام القادم موجة نزوح كبرى تعيد رسم الخارطة الديموغرافية لفلسطين المحتلة، وتثبت أن صمود الجبهات العسكرية لا يكفي لحماية جبهة داخلية هشة تعيش تحت وطأة الخوف المستمر والوعود الكاذبة.










