21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

"حفرة تصطاد العابرين".. عمار علي حسن يقتنص أحلام الحرية في ديوانه الشعري الجديد

"حفرة تصطاد العابرين".. عمار علي حسن يقتنص أحلام الحرية في ديوانه الشعري الجديد

بقلم: 180 تحقيقات
٢٨ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
12 مشاهدة
الكتاب

الكتاب

"حفرة تصطاد العابرين".. عمار علي حسن يقتنص أحلام الحرية في ديوانه الشعري الجديد

أصدر الشاعر والروائي والمفكر المصري الدكتور عمار علي حسن ديوانه الشعري الجديد بعنوان "حفرة تصطاد العابرين" عن مؤسسة "بيت الحكمة" بالقاهرة، في تجربة إبداعية جديدة يسكن فيها إلى لغة الشعر بعد رحلات طويلة ومثمرة في عالم الرواية والقصة والنقد.

 ويأتي هذا الديوان ليعزز المسار الشعري للكاتب الذي بدأ حياته الأدبية شاعراً قبل أن تسرقه السرديات الكبرى، لكنه يختار للمرة الثالثة أن يعود إلى "البيت الأول" ليؤكد مقولته الأثيرية "ما أحلى الرجوع إليه". 

في هذا العمل، يتتبع عمار علي حسن ملامح أحلام الحرية، لا كشعارات براقة، بل كأفكار مشتبكة بالواقع، ومشاعر إنسانية نبيلة، وأشخاص وهبوا حيواتهم من أجل هذا الحق الفطري، منتقلاً بعدسته الشعرية من الهم العام إلى التفاصيل الدقيقة والمهمشة التي تبني وجدان الإنسان في مواجهة طاحونة الحياة القاسية.

تبدأ رحلة الديوان من قصيدة "البيت القديم"، حيث يواجه الشاعر الإنسان المستسلم لدوامة العمل المنهك الذي لا يكفي لتحقيق الكرامة، كاشفاً له عن خواء الأوهام التي ظنها حصوناً تحميه، فإذا بذرات الغبار تهزمها وتسكن الأنفاس.

 هذا الصوت الهامس والعميق ينتقل بسلاسة بين قصائد الديوان، مستخدماً رؤية بانورامية تلتقط ما لا تراه الأعين العابرة في تفاصيل اليومي والعادي.

 الشاعر هنا لا يكتفي بالرصد، بل يعيد هندسة المشاهد العشوائية ليخرج منها نظاماً إبداعياً يجمع بين دقة الرياضيات وخيال الفنان، محولاً اليومي المهمش إلى لوحات شعرية تنبض بالحياة وتصرخ في وجه القهر والإذعان، داعية إلى المقاومة بالجمال والحلم مهما كانت التحديات.

يف يرى عمار علي حسن العالم من ثقب إبرة الشعر؟

في قصيدته المركزية "مباراة"، يضعنا الشاعر أمام مشهد رمزي يختزل علاقة السلطة بالمجتمع؛ حيث يتجمع الناس لمشاهدة مباراة كرة قدم، فيسارع "ممثل النظام" المتوجس من أي تجمهر لمحاولة تفريقهم. لكن المفارقة التي يبرزها عمار علي حسن تكمن في أن الناس، رغم انصرافهم الخائف، لم تشغلهم تهديدات الضابط بقدر ما شغلتهم "الكرة" التي كانت تتبادلها أقدام لاعبيهم بإتقان. 

هذه الصورة الرمزية تعكس صراع الإرادات بين الرغبة في الفرح والتحقق وبين آلات القمع التي تحاول وأد التجمعات. الشاعر هنا لا يكتب شعراً سياسياً مباشراً، بل ينسج شعراً إنسانياً رفيعاً يحتفي بالحلم في مواجهة القهر، وبالإصرار على تتبع مسار "الكرة/ الحلم" حتى في لحظات الانكسار والهروب الاضطراري.

ويضم الديوان باقة من القصائد التي تعكس تنوع الرؤية الشعرية وتعدد زوايا النظر، ومنها: (البيت القديم، أزرق، أمل جديد، مصير، جوع، حوار، يمشي على الماء، ميلاد الرماد، حصار، ألم، الرسالة التي تركها ملاك الموت، لمبة وحيدة، شمعة تحترق، الأيام، مباراة، يد مقطوعة تعافر، محو، وجع مكتوم، لصوص جدد، مقعد، مر من هنا، مقام الطعام).

 وفي قصيدة "مر من هنا"، يصل الشاعر إلى ذروة الاحتفاء بالعطاء الإنساني، حيث يرسم مرثية مؤثرة لصديق راحل، محولاً الفقد إلى طاقة أمل تحث الآخرين على مواصلة الحلم بعالم سعيد رغم الانكسارات الشخصية والخاطر المكسور، مما يجعل القصيدة تتحول من رثاء فردي إلى تحية كونية لكل من يمد خطوط الأمل للآخرين من بين أنقاض الحزن.

رحلة عمار علي حسن بين الشعر والسرد

يمثل صدور ديوان "حفرة تصطاد العابرين" علامة فارقة في مسيرة عمار علي حسن الأدبية، الذي أصدر من قبل ديوانين هما "لا أرى جسدي" عام 2020، و"غبار الطريق" عام 2023. الكاتب الذي شيد صروحاً سردية كبرى عبر روايات مثل "شجرة العابد" و"سقوط الصمت" و"ملحمة المطاريد"، ومجموعات قصصية مثل "عرب العطيات" و"تلال الرماد"، يقرر اليوم أن يسبح عكس التيار السائد؛ فبينما يهجر الكثير من الشعراء القصيدة بحثاً عن بريق الرواية، يعود هو للشعر للمرة الثالثة.

 هذه العودة لا تعني هجر السرد، بل تعني تكامل الرؤية الإبداعية لديه، حيث يجد في الشعر تكثيفاً ومساحة بوح لا تمنحه إياها الرواية، وقدرة على اقتناص اللحظات الهاربة التي قد تضيع في زحام التفاصيل الروائية.

يُذكر أن الإنتاج الأدبي لعمار علي حسن يتسم بغزارة استثنائية وتنوع فريد، حيث أصدر أكثر من 13 رواية و7 مجموعات قصصية، بالإضافة إلى أعمال سردية عابرة للأنواع ومسرحية، ناهيك عن ثلاثين كتاباً في الفكر السياسي والنقد والتصوف. 

هذا التراكم المعرفي والإبداعي ينعكس بوضوح في "حفرة تصطاد العابرين"، حيث يلمس القارئ عمقاً فلسفياً ووعياً اجتماعياً يمتزج بالخيال الشعري الجامح.

 الشاعر هنا هو نفسه الباحث الذي فكك "الخيال السياسي" و"المجاز السياسي"، لكنه في هذا الديوان يخلع عباءة الباحث ليرتدي قميص الشاعر الذي يرى في "الحفرة" مكاناً للاصطياد، وفي "العابرين" مشاريع أحلام مؤجلة تنتظر من يمد لها يد الكلمة والقصيدة.

180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال