21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: موازنة الوَهْم… شُهُودُ زُورٍ يَتَكَلَّمُونَ بِلِسَانِ الإِصْلاح

من يَسْتَمِعُ إلى المناقشات الدائرة في المجلس النيابي حول إقرار الموازنة، ولا سيّما اتهام بعض النواب للسلطة بالتخلّف والتقاعس، لا يسعه إلّا أن يَشْعُر بأنّ هذا النائب إمّا يَعيش خارج الواقع

بقلم: د. ليون سيوفي
٢٩ يناير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
21 مشاهدة
د. ليون سيوفي يكتب: موازنة الوَهْم… شُهُودُ زُورٍ يَتَكَلَّمُونَ بِلِسَانِ الإِصْلاح

د. ليون سيوفي يكتب: موازنة الوَهْم… شُهُودُ زُورٍ يَتَكَلَّمُونَ بِلِسَانِ الإِصْلاح

من يَسْتَمِعُ إلى المناقشات الدائرة في المجلس النيابي حول إقرار الموازنة، ولا سيّما اتهام بعض النواب للسلطة بالتخلّف والتقاعس، لا يسعه إلّا أن يَشْعُر بأنّ هذا النائب إمّا يَعيش خارج الواقع، في فضاءٍ منفصل عن معاناة الناس، أو في «لالالَند» سياسي، وإمّا أنّه يَكْذِبُ على الشَّعْبِ اللبنانيّ وعلى نفسه في آنٍ معاً. فكيف يمكن لمن كان جزءاً من هذه السلطة، شريكاً مباشراً أو غير مباشر في سياساتها، أن يقف اليوم متبرّئاً من نتائج سنواتٍ طويلة من الفشل، متقمّصاً فجأةً دور المعارض والإصلاحي؟

الأكثر فجاجةً أنّ كلّ واحدٍ منهم يُقَدِّمُ نفسه على أنّه «نائب الإصلاح»، ناسياً ــ أو متناسياً عمداً ــ أنّه كان حاضراً في الموازنات السابقة، مُصَوِّتاً أو ساكتاً أو مُغَطِّياً للهدر والعجز. كأنّ الذاكرة الوطنية قصيرة، أو كأنّ الشَّعْبَ اللبنانيّ لا يملك وعياً ولا قدرةً على الربط بين الأمس واليوم. الإصلاح لا يُقاس بنبرة الخطاب ولا بحدّة الاتهام تحت قبّة البرلمان، بل بالسلوك السياسيّ المتراكم، وبالقرارات التي صُنِعَت أو مُرِّرَت أو سُكِتَ عنها.

وما يُناقَش اليوم ليس سوى موازنة بلا قرارٍ سياسيٍّ–اقتصاديٍّ واضح يُنقذ الوطن، وبلا رؤيةٍ إصلاحيّةٍ شاملة تُخْرِج البلاد من دائرة الانهيار. ليست موازنة إنقاذ، بل موازنة إدارة أزمة، بل إنّ الحدّ الأدنى من الصراحة يفرض تسميتها كما هي: موازنة فاشلة. فالفشل هنا لا يَكْمُنُ في الأرقام فقط، بل في غياب الخيار، وفي العجز عن الإجابة عن السؤال الجوهري: إلى أين يُؤخَذ لبنان؟

إنّها موازنة غُيِّرَت فيها الأرقام، ولم يُغَيَّر فيها النَّهْج. غَيَّروا الأَرْقامَ، ولم يُغَيِّروا النَّهْج… لذلك استمرّ الانهيار، وتبدّلت الوجوه وبقيت الكارثة. العقليّة نفسها، والسياسات نفسها، وأسلوب إدارة الانهيار نفسه، وكأنّ المشكلة في الجداول لا في القرار، وفي الحساب لا في الرؤية.

إنّها موازنة لا تحمل رؤيةً للنمو، ولا خطةً لمعالجة الخسائر، ولا مقاربةً عادلةً للضرائب، ولا تصوّراً لإعادة هيكلة الدولة، بل تُكَرِّسُ الانهيار وتُعيد إنتاجه. والأسوأ أنّها تُقَدَّمُ للناس على وقع إنكارٍ جماعيٍّ للمسؤوليّات، وكأنّ الأزمة سقطت من السماء بلا فاعلين ولا شركاء.

وهنا لا يعود هؤلاء نوّابَ إصلاحٍ ولا روّادَ إنقاذ، بل شُهُودَ زُورٍ على اِنْهِيَارِ البَلَد. حضروا، صوّتوا، سكتوا، وغطّوا، ثمّ عادوا اليوم ليُحاضِروا في المحاسبة. ومن شارك في صناعة الانهيار، أو في تغطيته، لا يملك صفة الشاهد ولا شرعيّة المُنقِذ، بل يتحمّل مسؤوليّة الفاعل، مهما حاول تبديل الأدوار أو تزوير الوقائع.

لبنان لا يحتاج إلى مسرحٍ جديد للكلام، ولا إلى نوّابٍ يُعيدون كتابة تاريخهم على قياس اللحظة، بل إلى قرارٍ سياسيٍّ–اقتصاديٍّ شجاع، واعترافٍ صريح بالمسؤوليّات، ومحاسبةٍ فعليّة. أمّا الاستمرار في إنتاج موازنات بلا قرار، وتغليف الفشل بشعارات الإصلاح، فلن يؤدّي إلّا إلى تعميق القطيعة بين الناس وسلطةٍ تُصِرُّ على الهروب من الحقيقة، فيما يَدْفَعُ الشَّعْبُ وحده ثمن الوهم والانهيار.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي يكتب: موازنة الوَهْم… شُهُودُ زُورٍ يَتَكَلَّمُونَ بِلِسَانِ الإِصْلاح - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°