وجع خلف القضبان.. تعثر ملف الأسرى في اليمن يحول الآمال إلى كوابيس تؤرق آلاف العائلات
يمر ملف تبادل الأسرى والمختطفين بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وجماعة الحوثي بحالة من التعثر المزمن والجمود القاتل، مما أدى إلى تفاقم المأساة الإنسانية التي يعيشها آلاف المعتقلين في سجون الطرفين منذ سنوات طويلة.
هذا الملف، الذي كان يُنظر إليه دائماً بوصفه "جسراً لبناء الثقة" ومدخلاً لأي تسوية سياسية شاملة، تحول بمرور الوقت إلى ورقة ضغط سياسية وعسكرية يستخدمها كل طرف لانتزاع مكاسب ميدانية أو تفاوضية، متجاهلين تماماً الكلفة البشرية الباهظة لهذا التعنت.
ويؤكد مراقبون أن توقف جولات المفاوضات الأخيرة وفشل الوساطات الدولية في إحداث اختراق حقيقي في مبدأ "الكل مقابل الكل" قد أصاب الشارع اليمني بخيبة أمل واسعة، خاصة وأن ملف الأسرى يحمل صبغة إنسانية خالصة تمس النسيج الاجتماعي والقبلي اليمني في صميمه، بعيداً عن صراع السلطة والنفوذ.
إن الجمود السياسي الحالي لا يعني فقط توقف حركة الورق على طاولات المفاوضات في عمان أو جنيف، بل يعني استمرار حرمان مئات الآباء والأبناء من رؤية عائلاتهم، وبقاء المئات في ظروف احتجاز قاسية تفتقر لأدنى مقومات الرعاية الصحية والإنسانية.
وتتزايد المخاوف مع تواتر الأنباء عن تدهور الحالة الصحية للعديد من الأسرى، خاصة أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة أو تعرضوا لإصابات خلال العمليات العسكرية قبل وقوعهم في الأسر.
وبحسب منظمات حقوقية، فإن استمرار هذا الملف عالقاً يزيد من منسوب الحقد والكراهية ويجعل من المصالحة الوطنية أمراً بعيد المنال، حيث تتحول زنازين الحجز إلى بؤر لتوليد المآسي التي ستظل تطارد الذاكرة اليمنية لأجيال قادمة إذا لم يتم إنهاء هذه المعاناة فوراً وبشكل شامل بعيداً عن منطق "التجزئة" أو "الانتقائية" في الأسماء.
الزاوية الإنسانية.. عائلات الأسرى والعيش في دائرة الموت البطيء
بعيداً عن أروقة السياسة، هناك مأساة موازية تدور رحاها داخل بيوت الأسرى، حيث تعيش آلاف الأسر اليمنية حالة من "الموت البطيء" وهي تترقب أي بصيص أمل بعودة غائبها. فالأم التي فقدت ابنها في غياهب السجون لا تعيش حياة طبيعية، بل تقضي أيامها بين الدعوات ومتابعة أخبار الصفقات المتعثرة، وسط مخاوف دائمة من فقدانه نتيجة الإهمال الطبي أو التعذيب.
هذا الانتظار الطويل ترك آثاراً نفسية واجتماعية مدمرة؛ فقد كبر أطفال دون أن يعرفوا ملامح آبائهم إلا من خلال صور قديمة، وفقدت عائلات معيلها الوحيد مما دفعها إلى منزلقات الفقر والعوز، ليصبح الأسير وذووه ضحايا مزدوجين لصراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
إن تسييس هذا الملف الإنساني هو جريمة أخلاقية بكل المقاييس، حيث يتم استغلال آلام الأمهات ودموع الأطفال كأدوات في معارك إعلامية تفتقر لأدنى قيم المروءة.
علاوة على ذلك، يواجه أهالي الأسرى والمختطفين صعوبات هائلة في التواصل مع أبنائهم أو حتى معرفة أماكن احتجازهم في كثير من الأحيان، مما يفتح الباب أمام عمليات الابتزاز المالي من قبل سماسرة الحروب الذين يقتاتون على جراح المنكوبين.
وفي ظل توقف الرحلات الجوية أو صعوبة التنقل بين المحافظات بسبب الحصار وخطوط التماس، يصبح من المستحيل على العائلات زيارة أبنائها، مما يزيد من شعور الأسير بالعزلة والنسيان.
هذه الضغوط النفسية الهائلة أدت في حالات موثقة إلى وفاة آباء وأمهات بحسرتهم قبل أن يكحلوا أعينهم برؤية أبنائهم محررين، مما يجعل من تعثر ملف التبادل طعنة في خاصرة الإنسانية ووصمة عار في جبين المجتمع الدولي الذي يقف عاجزاً عن الضغط على الأطراف لإنهاء هذا العذاب النفسي والجسدي.
انعكاسات الجمود على المسار السياسي والحل الشامل
من الناحية الاستراتيجية، يعكس تعثر ملف الأسرى انعدام الثقة العميق بين الحكومة اليمنية والحوثيين، ويشير إلى أن الطريق نحو السلام لا يزال محفوفاً بالألغام.
فإذا عجزت الأطراف عن التوافق على ملف إنساني يحظى بإجماع شعبي، فكيف لها أن تتوافق على ملفات تقاسم السلطة والثروة والترتيبات الأمنية المعقدة، إن هذا الانسداد يبعث برسائل سلبية للمجتمع الدولي والوسطاء الأمميين، مفادها أن لغة السلاح والاعتقال لا تزال هي السائدة.
ويحذر مراقبون من أن استمرار استخدام الأسرى كـ "دروع سياسية" قد يدفع نحو تصعيد عسكري جديد، حيث يشعر كل طرف أن الطرف الآخر غير جاد في تقديم التنازلات، مما يجعل من الأسرى وقوداً لجولات قادمة من الصراع بدلاً من أن يكونوا رسلاً للسلام والتهدئة.
يبقى ملف الأسرى والمختطفين في اليمن جرحاً نازفاً يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً يتجاوز مجرد "الإعراب عن القلق". إن المطلوب اليوم هو ممارسة ضغوط حقيقية وفعالة لفرض اتفاق يقضي بإطلاق سراح الجميع دون استثناء أو قيد، واعتبار هذا الملف قضية إنسانية غير قابلة للتفاوض أو المقايضة السياسية.
إن كسر صمت الزنازين هو الخطوة الأولى والضرورية لاستعادة كرامة اليمني وإعادة بناء الأمل في مستقبل يمكن فيه للفرقاء أن يتجاوزوا جراحهم.
وحتى يتحقق ذلك، ستظل آلاف العيون شاخصة نحو الأفق، تنتظر لحظة عناق طال انتظارها، بعيداً عن قيود السجان وحسابات السياسيين التي لم تجلب لليمنيين سوى الدمار والشتات.









