واقع النازحين في المواصي.. مئات الآلاف يواجهون شح المياه ببدائل ملوثة تنذر بكارثة صحية بغزة
لا يمكن توصيف ما يمر به قطاع غزة في مطلع عام 2026 بكونه مجرد أزمة خدماتية ناتجة عن تداعيات الحرب، بل هو تجسيد صارخ لسياسة "تعطيش ممنهجة" تُستخدم كسلاح حرب فتاك لا يقل خطورة عن القذائف والصواريخ.
إن تعمد الاحتلال قطع الإمدادات المائية وتدمير المحطات الرئيسية يعكس رغبة واضحة في تحويل غزة إلى بيئة غير قابلة للحياة، حيث لم يعد الحصول على شربة ماء نظيفة صراعاً يومياً فحسب، بل صار مقامرة بالبقاء.
وتتجاوز هذه السياسة حدود الضغط العسكري لتصل إلى مستوى العقاب الجماعي الذي يهدف إلى كسر إرادة الحاضنة الشعبية عبر استهداف أبسط مقومات الوجود الإنساني، مما يجعل "حرب المياه" الجبهة الأكثر صمتاً وقسوة في صراع الوجود الذي يعيشه القطاع، حيث يُحرم السكان من حقهم الأساسي في الحياة المكفول دولياً بذرائع أمنية واهية تخفي خلفها مخططات لتهجير قسري ناعم تحت وطأة الجوع والعطش.
أرقام صادمة وتداعيات صحية
إن انخفاض حصة الفرد من المياه في قطاع غزة إلى ما يتراوح بين 3 إلى 5 لترات يومياً هو رقم صادم بكل المقاييس الإنسانية والطبية، خاصة إذا ما قورن بالحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية والبالغ 100 لتر للفرد لضمان النظافة والصحة العامة.
هذه الشح المائي الحاد يخلف تداعيات صحية وبيئية مباشرة ومرعبة، حيث بدأت الأمراض الجلدية والمعوية بالتفشي بشكل غير مسبوق، خاصة بين الأطفال والمرضى وكبار السن الذين لا تقوى مناعتهم على مقاومة الجفاف أو الميكروبات الناتجة عن المياه الملوثة.
إن هذا المستوى من العطش لا يعني فقط غياب مياه الشرب، بل يعني انعدام القدرة على التعقيم والنظافة الشخصية، مما يحول مراكز النزوح والمشافي المتهالكة إلى بؤر لتكاثر الأوبئة، حيث يسجل الأطباء يومياً مئات الحالات من الجفاف الحاد والفشل الكلوي الناتج عن شرب مياه مالحة أو غير معالجة، وهو ما ينذر بموجة وفيات صامتة قد تتجاوز ضحايا المواجهات المباشرة إذا استمر هذا الحصار المائي الخانق.
انتهاك القانون الدولي
يشكل استهداف الآبار، ومنع دخول الوقود اللازم لتشغيل محطات التحلية، ومنع وصول قطع الغيار للصيانة، انتهاكاً صارخاً وصريحاً للقانون الدولي الإنساني، وتحديداً اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر تدمير الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة.
إن تصنيف هذه الأفعال كجرائم حرب هو أمر يجمع عليه خبراء القانون، حيث أن تعمد استهداف البنية التحتية المائية يقع ضمن خانة الإبادة المتعمدة عبر خلق ظروف معيشية تهدف إلى التدمير الجسدي الكلي أو الجزئي للفلسطينيين.
ورغم الوضوح القانوني، إلا أن الاحتلال يواصل سياسة "الإفلات من العقاب"، مستغلاً الصمت الدولي لشرعنة استخدام المياه كأداة ابتزاز سياسي وعسكري، وهو ما يضع المؤسسات الحقوقية والأممية أمام اختبار تاريخي لوقف هذا التوظيف اللاإنساني للموارد الطبيعية في الصراعات العسكرية، وضمان محاسبة المسؤولين عن تحويل "العطش" إلى استراتيجية قتالية مقرة رسمياً.
تدمير 70% من آبار غزة وخانيونس
أدى القصف المنهج إلى تدمير أكثر من 70% من آبار المياه في قطاع غزة بشكل عام، بينما وصلت النسبة في مدينة خانيونس إلى أكثر من 80%، مما أدى إلى تغيير جذري ومشوه في الخريطة المائية للقطاع.
هناك مناطق شاسعة في شمال غزة وشرق خانيونس خرجت بالكامل عن الخدمة، حيث لم يعد يوجد بئر واحد يعمل أو شبكة مياه متصلة، مما اضطر السكان للاعتماد على طرق بدائية وخطيرة لجلب المياه من مناطق بعيدة أو من آبار زراعية غير صالحة للاستخدام البشري.
هذا الدمار البنيوي لم يلحق الضرر بالمستقبل القريب فحسب، بل أدى إلى تلوث الخزان الجوفي وتسرب مياه الصرف الصحي إلى الطبقات العميقة نتيجة تدمير شبكات الصرف الموازية، وهو ما يعني أن إعادة إعمار المنظومة المائية ستحتاج إلى سنوات من العمل التقني والتمويل الملياري، مما يضع القطاع أمام خطر جفاف مستدام حتى بعد توقف العمليات العسكرية المباشرة.
مأساة مواصي خانيونس
في مناطق النزوح الكبرى مثل "مواصي خانيونس"، التي تكتظ بمئات الآلاف من النازحين في رقعة جغرافية ضيقة، يتحول واقع شح المياه إلى مأساة يومية تفوق الوصف.
يضطر النازحون للوقوف في طوابير تمتد لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة أو في البرد القارس للحصول على لترات قليلة من المياه التي غالباً ما تكون غير معقمة.
ويتعامل هؤلاء مع الواقع المرير عبر تقنين استهلاك المياه إلى مستويات خطرة، حيث تُستخدم مياه غسل الأواني لعدة أغراض أخرى قبل التخلص منها، مما يزيد من فرص انتقال العدوى.
إن أخطر السيناريوهات الصحية المتوقعة في هذه المخيمات المكتظة هي تفشي الكوليرا أو شلل الأطفال أو التهاب الكبد الوبائي "أ"، وهي أوبئة إذا ما بدأت لن تتوقف عند حدود المخيمات، بل ستشكل تهديداً إقليمياً شاملاً، نتيجة غياب الحد الأدنى من شروط الإصحاح البيئي وتوفر المياه النظيفة.
تكمن الخطورة الكبرى حالياً في تداخل الشبكات، حيث أدى تدمير البنية التحتية إلى تسرّب المياه العادمة والملوثة إلى الشبكات المائية التي لا تزال تعمل بشكل جزئي، مما يعني أن المياه التي تصل لبعض المنازل أو نقاط التوزيع قد تكون "سماً زعافاً".
نحن أمام تهديد حقيقي بتفشي أوبئة جماعية عابرة للمناطق، حيث أن الخزان الجوفي في غزة يعاني أصلاً من تداخل مياه البحر وارتفاع نسب النترات والكلوريد، وجاءت الحرب لتضيف ملوثات كيميائية وبيولوجية ناتجة عن الجثث المتحللة تحت الأنقاض وتسرب الوقود.
هذا الوضع يجعل من كل قطرة مياه مصدراً محتملاً للمرض، ويضع الطواقم الطبية والبلديات في صراع مع الزمن لمحاولة عزل الخطوط الملوثة، وهي مهمة شبه مستحيلة في ظل استمرار القصف ونقص المعدات التقنية والمختبرات القادرة على فحص جودة المياه بشكل دوري.
صمت المؤسسات الأممية أمام "العقاب المائي"
يرى المختصون أن صمت المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية إزاء استخدام المياه كأداة عقاب جماعي هو وصمة عار في جبين الإنسانية والمنظومة القانونية الدولية.
فرغم التقارير الصادرة عن "الأونروا" ومنظمة الصحة العالمية التي تحذر من جفاف محقق، إلا أن التحركات الفعلية لكسر الحصار المائي لا تزال خجولة ولا تتعدى التنديد اللفظي.
إن استخدام المياه كأداة سياسية وعسكرية يتم أمام أعين العالم، ومع ذلك تفشل المؤسسات الدولية في فرض ممرات آمنة لإدخال الوقود أو قطع غيار المحطات، مما يعكس عجزاً بنيوياً في مواجهة القوى الداعمة للاحتلال.
هذا الصمت يُفسر كضوء أخضر لمواصلة سياسة الإبادة الناعمة، ويضع علامات استفهام كبرى حول جدوى القوانين الدولية إذا كانت لا تستطيع تأمين "قطرة ماء" لطفل في خيمة نازحين.
لمن يعتقد أن الحرب على غزة انتهت بمجرد هدوء أصوات المدافع في بعض المناطق، عليه أن ينظر إلى طوابير المياه والوجوه الشاحبة للأطفال الذين يفتك بهم العطش؛ فالحرب الصامتة مستمرة وتحول حياة السكان إلى "موت بطيء بلا ضجيج".










