20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هل تتحول ضغوط واشنطن إلى رافعة شعبية لنوري المالكي ضد التدخل الخارجي؟

هل تتحول ضغوط واشنطن إلى رافعة شعبية لنوري المالكي ضد التدخل الخارجي؟

بقلم: محمد خميس
٣١ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
7 مشاهدة
نوري المالكي وترامب

نوري المالكي وترامب

 هل تتحول ضغوط واشنطن إلى رافعة شعبية لنوري المالكي ضد التدخل الخارجي؟

تشهد الساحة السياسية العراقية في نهاية يناير 2026 غلياناً غير مسبوق، حيث تداخلت المسارات الدستورية مع التدخلات الدولية الخشنة لتضع البلاد أمام اختبار سيادي هو الأصعب منذ سنوات. 

فبينما كانت القوى السياسية تستعد لحسم ملف انتخاب رئيس الجمهورية كخطوة أولى لتكليف رئيس وزراء جديد، فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قنبلة سياسية عبر تصريحاته الرافضة لترشيح نوري المالكي، محذراً من قطع المساعدات الأمريكية بالكامل حال عودته للسلطة.

 هذا الموقف لم يمر مرور الكرام، بل أثار موجة عارمة من الغضب الشعبي والسياسي، حيث اعتبرته أوساط واسعة في بغداد "إملاءات مهينة" تنتهك السيادة الوطنية وتصادر حق العراقيين في اختيار قادتهم، مما أدى إلى خروج تظاهرات منددة قرب المنطقة الخضراء، تزامنت مع حالة من الارتباك داخل بيت "الإطار التنسيقي" الذي يجد نفسه الآن مضطراً للموازنة بين التمسك بمرشحه وبين مخاطر العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية.

تداعيات "فيتو" ترامب.. هل تعيد واشنطن رسم الخارطة السياسية؟

تمثل تصريحات ترامب الأخيرة تحولاً من الدبلوماسية الهادئة إلى "دبلوماسية التهديد المباشر"، حيث ربط بوضوح بين المساعدات المالية والعسكرية وبين هوية الشخصية التي ستدير الحكومة في بغداد.

 إن وصف ترامب لترشيح المالكي بأنه "خطأ فادح" أعاد إلى الأذهان حقبة التوترات الطائفية وانهيار عام 2014، وهو ما تستخدمه واشنطن كذريعة قانونية وسياسية لممارسة ضغط استباقي لمنع وصول شخصيات تعتبرها قريبة من المحور الإيراني.

 هذا التدخل الخارجي الفج أدى إلى نتيجة عكسية في بعض الأوساط، حيث بدأ المالكي يظهر كرمز لـ"المقاومة السياسية" ضد التدخل الأجنبي، مما قد يزيد من رصيده الشعبي داخل قواعده التقليدية. 

ومع ذلك، تظل التهديدات الأمريكية باستهداف عائدات النفط والتعاملات المصرفية سيفاً مسلطاً على رقبة أي حكومة عراقية قادمة، كون العراق يعتمد بشكل حيوي على النظام المالي العالمي الذي تتحكم واشنطن بمفاتيحه الأساسية.

تحليل سياسي.. أثر التدخلات الخارجية على توازنات الحكم المقبلة

إن التدخلات الخارجية في الشأن العراقي ليست وليدة اليوم، لكنها في مطلع عام 2026 اتخذت طابعاً تصادمياً يهدد بانهيار التوافقات الهشة بين المكونات. فالتأثير الأمريكي لا يقابله فقط ضغط إيراني مضاد، بل هناك مخاوف من أن يؤدي هذا الاستقطاب إلى انقسام داخل البيت الشيعي نفسه، وبين القوى الكردية والسنية التي تراقب المشهد بحذر.

 إن أي توازن قوى قادم يجب أن يأخذ في الاعتبار "القبول الدولي" كشرط غير معلن لاستقرار الحكم، وهو ما يجعل منصب رئيس الوزراء منصباً "عابراً للحدود" أكثر من كونه استحقاقاً انتخابياً داخلياً. 

التدخل الخارجي يحول العملية الديمقراطية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث يصبح اختيار الرئيس أو رئيس الوزراء رهينة لصفقات كبرى تتعلق بملفات الطاقة، العقوبات على إيران، وتواجد القوات الأجنبية، مما يفرغ الاستحقاقات الدستورية من محتواها الوطني ويجعل القرار السيادي العراقي في حالة ارتهان دائم للتقلبات في واشنطن أو طهران.

انتخاب رئيس الجمهورية.. العقدة الكردية والموعد المرتقب

بالتزامن مع أزمة "الفيتو" الأمريكي على المالكي، يترقب الشارع العراقي جلسة البرلمان المقررة يوم الأحد (الأول من فبراير) لانتخاب رئيس الجمهورية، وهي الجلسة التي تأجلت مراراً بسبب الخلافات العميقة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين. 

إن منصب الرئيس ليس مجرد منصب شرفي في هذه الدورة، بل هو المنطلق القانوني لتكليف مرشح الكتلة الأكبر، وهو ما يفسر حدة الصراع عليه. التدخلات الخارجية طالت هذا الملف أيضاً، حيث تحاول القوى الإقليمية الضغط باتجاه مرشح تسوية يضمن عدم انزلاق بغداد نحو تصادم مباشر مع المجتمع الدولي وإن الفشل في انتخاب رئيس الجمهورية في الموعد المحدد سيعمق الأزمة الدستورية ويزيد من حالة "الشلل الحكومي"، مما قد يدفع نحو خيارات اضطرارية أو تمديد لحكومة تصريف الأعمال الحالية، وهو سيناريو قد يرضي واشنطن مؤقتاً لكنه لا يحل جذور الأزمة السياسية في العراق.

الغضب الشعبي والسيادة.. صرخة ضد "الإملاءات" الرقمية

لم يقتصر رد الفعل على البيانات الرسمية، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي والساحات العامة، حيث اعتبر ناشطون وسياسيون أن منشورات ترامب على منصة "تروث سوشيال" تعامل العراق كـ"ولاية تابعة" وليس كدولة ذات سيادة. 

هذا الشعور بالإهانة الوطنية وحد، ولو ظاهرياً، خصوماً سياسيين ضد التدخل الأمريكي، حيث أصدرت رئاسة الجمهورية بياناً حازماً يرفض أي تدخل في الشأن الداخلي. ومع ذلك، هناك انقسام شعبي حقيقي؛ فبينما يرى البعض في تدخل ترامب حماية للعراق من العودة للمربع الأول، يراه آخرون انتهاكاً صارخاً للديمقراطية. 

هذا الانقسام يعكس عمق الأزمة الهيكلية في العراق، حيث بات المواطن يجد نفسه مخيراً بين سلطة محلية يراها فاشلة أو فاسدة، وبين تدخل خارجي يراه مهيناً ومصادراً للقرار الوطني، مما يجعل من عملية بناء "الدولة المستقلة" هدفاً بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة.

نحو مسار وطني يتجاوز "الفيتوات" الدولية

إن المخرج الحقيقي للعراق من هذه الدوامة لا يكمن في الرضوخ التام للإملاءات الخارجية ولا في التصادم الانتحاري مع القوى العظمى، بل في صياغة "عقد سياسي وطني" يحترم الدستور ويضع مصلحة العراق أولاً.

 إن على القوى السياسية، وخاصة الإطار التنسيقي، إدراك أن ترشيح الشخصيات الجدلية في ظل ظروف دولية معقدة قد يؤدي إلى انتحار سياسي واقتصادي للبلاد. 

وفي المقابل، يجب على المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، احترام المسارات الديمقراطية وعدم تحويل العقوبات إلى أداة لفرض إرادات سياسية ضيقة و إن نجاح انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة "مقبولة وطنياً ودولياً" هو السبيل الوحيد لضمان استقرار العراق ومنع تحوله إلى ساحة حرب بالوكالة، وهو اختبار تاريخي للنخبة السياسية الحالية أمام تطلعات الشعب العراقي في السيادة والرفاه.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال