خلف خطوط المواجهة.. كيف تنجح قوة "رادع" في تفكيك شبكات "العصابات العميلة" وحماية ظهر المقاومة؟
في ظل استمرار العدوان الصهيوني وحرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، لم تتوقف المعركة عند حدود المواجهة العسكرية المباشرة مع دبابات وجنود الاحتلال، بل امتدت لتشمل جبهة أمنية داخلية بالغة التعقيد والحساسية.
وفي هذا السياق، كشفت قوة "رادع"، الجناح الميداني لأمن المقاومة في قطاع غزة، يوم الأحد، عن تنفيذ عمليات أمنية نوعية استهدفت ما وصفتها بـ"العصابات العميلة"، في رسالة واضحة بأن العبث بالجبهة الداخلية الفلسطينية هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
إن هذه العمليات تأتي لتؤكد أن المقاومة، ورغم كل الجراح والتدمير الشامل، لا تزال تمتلك عيوناً ساهرة وأذرعاً ميدانية قادرة على ملاحقة المتربصين وتفكيك شبكات التجسس والتعاون التي يحاول الاحتلال زرعها لزعزعة الاستقرار الداخلي أو تقديم معلومات استخباراتية تساعد آلة القتل الصهيونية.
كمائن "رادع" في غزة وخان يونس.. تفاصيل العمليات الميدانية
أعلنت قوة "رادع" في بيان رسمي أنها نفذت خلال الساعات الماضية كمينين منفصلين اتسما بالدقة والتخطيط المحكم، استهدفا عناصر متورطة في التخابر والتعاون مع الاحتلال في مدينتي خان يونس وغزة.
وفي تفاصيل كمين خان يونس، أكدت القوة وقوع قتلى وجرحى في صفوف الخلية المستهدفة، حيث رصدت القوة فرار عناصر أخرى من الموقع تحت وطأة الضربات، تاركين وراءهم أسلحتهم ومعداتهم التي استولت عليها المقاومة.
أما في مدينة غزة، فقد نجحت القوة في تنفيذ كمين آخر أسفر عن مصادرة عتاد عسكري وأدوات كانت تستخدمها هذه العصابات في أنشطة مشبوهة. إن هذه النجاحات الميدانية لقوة "رادع" تعكس كفاءة استخباراتية عالية وقدرة على التحرك في بيئة جغرافية دمرها الاحتلال بالكامل، مما يثبت أن السيطرة الأمنية للمقاومة لا تزال حاضرة وبقوة في كافة مناطق القطاع.
منصة "الحارس" ترفع درجة التأهب.. حماية المقاوم من الثغرات
بالتوازي مع العمليات الميدانية لقوة "رادع"، أطلقت منصة "الحارس" التابعة لأمن المقاومة تحذيرات أمنية مشددة، داعية المقاومين إلى رفع مستوى اليقظة والانتباه إلى أقصى الدرجات خلال الساعات القادمة.
وشددت المنصة على أن المرحلة المقبلة تتسم بخطورة عالية، مما يفرض على الكوادر الميدانية الالتزام الصارم ببروتوكولات السلامة الشخصية، لا سيما في جوانب التواصل والتنقل والمبيت. إن هذه التحذيرات تهدف إلى سد أي ثغرة أمنية قد يستغلها العدو الصهيوني لتنفيذ عمليات اغتيال أو تتبع، خاصة في ظل الاعتماد المكثف للاحتلال على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي في رصد الإشارات.
وتأتي هذه الدعوة لتكامل الأدوار؛ فبينما تضرب "رادع" رؤوس العمالة، تقوم "الحارس" بتحصين المقاتلين ومنع العدو من الوصول إلى أهدافه، مما يشكل منظومة دفاعية متكاملة تحمي ظهر المقاومة في أصعب مراحل الصراع.
الالتفاف الشعبي.. الحاضنة التي تحمي أمن المقاومة
أحد أبرز ملامح نجاح قوة "رادع" في مهامها هو الدعم الشعبي الكبير الذي تحظى به في ملاحقة المتورطين في التعاون مع الاحتلال.
وثمّنت القوة في بيانها هذا الدور الشعبي، معتبرة أن المواطن الفلسطيني في غزة هو الشريك الأول في حفظ الأمن، حيث تساهم البلاغات الشعبية والوعي المجتمعي في كشف العناصر المشبوهة التي تحاول استغلال حالة النزوح والمجاعة والدمار لتنفيذ أجندات تخدم الاحتلال.
إن الاحتلال الإسرائيلي، الذي فشل عسكرياً في كسر إرادة الغزيين، حاول عبر "العصابات العميلة" خلق حالة من الفوضى الداخلية، إلا أن تلاحم الحاضنة الشعبية مع أجهزة أمن المقاومة أحبط هذه المخططات. هذا الالتفاف يعكس إدراكاً جمعياً بأن أمن المقاومة هو أمن للمجتمع بأسره، وأن أي خرق أمني هو تهديد لحياة 2.3 مليون إنسان يواجهون حرب إبادة غير مسبوقة.
سياق الإبادة الجماعية.. المقاومة تحت وطأة الدمار الشامل
تأتي هذه التحركات الأمنية في وقت يواصل فيه الاحتلال ارتكاب أبشع المجازر في تاريخ البشرية الحديث، حيث خلفت حرب الإبادة الجماعية المستمرة منذ 7 أكتوبر 2023 أكثر من 242 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء.
وفي ظل تدمير مدن القطاع ومحوها من الخريطة، وانتشار المجاعة التي تنهش أجساد الصغار، يجد الاحتلال نفسه عاجزاً عن تحقيق نصر حقيقي، فيلجأ إلى تفعيل شبكات التجسس والضغط على الضعفاء.
إن نجاح قوة "رادع" في ملاحقة هؤلاء في ظل هذا الانهيار الشامل هو معجزة أمنية بحد ذاتها، حيث تصر المقاومة على تنظيم شؤون الحياة اليومية وحماية الجبهة الداخلية رغم فقدان أكثر من 11 ألف مفقود تحت الأنقاض، ورغم تجاهل المجتمع الدولي لقرارات محكمة العدل الدولية بوقف هذه المحرقة المستمرة.
الحسم الأمني كطريق لكسر شوكة العدوان
تمثل العمليات الأخيرة لقوة "رادع" وتحذيرات منصة "الحارس" رسالة قوية للاحتلال وحلفائه بأن الجبهة الداخلية في غزة عصية على الانكسار أو الاختراق إن ملاحقة "العصابات العميلة" وتطهير القطاع من المتربصين هو جزء لا يتجزأ من معركة التحرير والصمود.
إن المقاومة الفلسطينية أثبتت أنها تدير المعركة برؤية استراتيجية شاملة، تجمع بين البندقية في الميدان والعقل الأمني الذي يرصد ويحلل ويضرب في الوقت المناسب.
ومع استمرار التحديات والمخاطر، يبقى الرهان على يقظة المقاومين ودعم الحاضنة الشعبية لإفشال كافة المخططات الصهيونية الرامية لنزع الاستقرار من قطاع غزة، مؤكدين أن النصر يُصنع باليقظة الأمنية كما يُصنع بالبسالة العسكرية.










