أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، يوم الإثنين، مرسوماً رئاسياً حدّد بموجبه موعدي انتخابات المجلس الوطني، والمؤتمر الثامن لحركة "فتح"، في خطوة تحمل أبعاداً تنظيمية وسياسية تتجاوز الإطار الداخلي للحركة والمجلس. القرار، الصادر بصفته رئيساً لحركة «فتح»، نصّ على عقد المؤتمر في مدينة رام الله يوم الرابع عشر من مايو 2026، بما يعكس توجهاً رسمياً لإعادة ضبط البنية التنظيمية للحركة في لحظة سياسية شديدة الحساسية.
ويأتي هذا القرار استناداً إلى النظام الداخلي لحركة «فتح» والصلاحيات المخوّلة لرئيسها، وفق ما ورد في نص المرسوم، وبهدف معلن يتمثل في «تحقيق المصلحة العامة وتعزيز البناء التنظيمي». غير أن توقيت المؤتمر، بعد سنوات من الجمود التنظيمي وتآكل الحضور السياسي للحركة، يفتح الباب أمام قراءات أوسع تتصل بمحاولة إعادة إنتاج القيادة وترتيب موازين القوى داخل الحركة التاريخية التي تقود منظمة التحرير الفلسطينية.
ترتيبات تنظيمية ملزمة
المرسوم الرئاسي لم يكتف بتحديد الموعد والمكان، بل رسم إطاراً تنظيمياً صارماً لإدارة المؤتمر، عبر تكليف اللجنة التحضيرية ببدء التجهيزات الفنية والإدارية واللوجستية كافة، بما يضمن إنجاح هذا الاستحقاق الحركي. كما ألزمها بإعداد جدول أعمال متكامل، وتقديم خطة عمل تفصيلية ومكتوبة إلى اللجنة المركزية، بما يعكس رغبة واضحة في ضبط مسار المؤتمر ومنع تحوّله إلى ساحة صراع مفتوح.

ومنح القرار اللجنة التحضيرية صلاحيات إضافية، شملت تشكيل لجان فرعية متخصصة تتولى إعداد الخطط والبرامج اللازمة لعرضها على المؤتمر وإقرارها. وفي المقابل، شدّد المرسوم على إلغاء أي قرارات سابقة تتعارض مع بنوده، مع مطالبة جميع الجهات المعنية بالشروع الفوري في تنفيذ أحكامه منذ تاريخ صدوره في فبراير 2026، ما يؤشر إلى نية واضحة لقطع الطريق على أي اعتراضات تنظيمية محتملة.
انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني
بالتوازي مع استحقاق «فتح»، أصدر الرئيس عباس مرسوماً رئاسياً ثانياً دعا فيه الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات إلى المشاركة في انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، والمقررة في الأول من نوفمبر 2026. هذا القرار يعيد فتح ملف المجلس الوطني، بوصفه أعلى هيئة تشريعية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد سنوات طويلة من التعطيل والتشكيك في تمثيليته.


وينص المرسوم على إجراء الانتخابات حيثما أمكن داخل فلسطين وخارجها، بما يضمن أوسع مشاركة ممكنة للفلسطينيين في أماكن وجودهم كافة. كما أكد اعتماد نظام التمثيل النسبي الكامل، بما يكفل عدالة التمثيل لجميع مكونات الشعب الفلسطيني، بما في ذلك المرأة والشباب والتجمعات الفلسطينية في الخارج، مع إسناد الإشراف الكامل على العملية الانتخابية إلى لجنة الانتخابات المركزية.
رهانات الشرعية المقبلة
تفتح هذه القرارات الرئاسية المتزامنة نقاشاً واسعاً حول مستقبل الشرعية الفلسطينية، في ظل انسداد الأفق السياسي واستمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني منذ أكتوبر 2023، وتراجع مكانة القضية الفلسطينية على المستوى الدولي. إعادة تفعيل أطر «فتح» ومنظمة التحرير تبدو، في هذا السياق، محاولة لالتقاط زمام المبادرة داخلياً قبل فرض وقائع خارجية أكثر قسوة.
غير أن نجاح هذه الاستحقاقات يظل مرهوناً بقدرتها على تجاوز الطابع الإجرائي، والتحول إلى مدخل حقيقي لتجديد النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتمثيلية. فبدون مشاركة وطنية جامعة، ومع استمرار الانقسام والتدخلات الخارجية، قد تتحول الانتخابات والمؤتمرات إلى أدوات لإعادة إنتاج الأزمة، بدلاً من أن تكون بوابة لاستعادة الوحدة والشرعية في مواجهة الاحتلال ومشاريعه المتصاعدة.









