20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

استنزاف الدفاع الصاروخي الأمريكي: تحذيرات تكشف فجوة الجاهزية قبل مواجهة إيران

المؤكد أن التحذيرات لم تعد نظرية، وأن مسألة الدفاع الصاروخي باتت في صلب معادلة الردع الأمريكية، قبل أن تتحول أي مواجهة كبرى إلى اختبار قاسٍ لقدرة واشنطن على حماية نفسها وحلفائها في آن واحد.

بقلم: أخبار ومتابعات
٤ فبراير ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
8 مشاهدة
منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية

منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية

في ديسمبر الماضي، صدرت ورقة بحثية شديدة الحساسية عن مشروع الدفاع الصاروخي التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن (CSIS)، حملت عنوانًا دالًا: «تناقص مخزون الصواريخ الاعتراضية». الورقة لم تُقدَّم بوصفها دراسة تقنية معزولة، بل كإنذار استراتيجي مباشر للإدارة الأمريكية، محذّرة من أن منظومة الدفاع الجوي والصاروخي الأمريكية باتت على حافة الاستنزاف.

أهمية الورقة لا تنبع فقط من مضمونها، بل من الجهة التي تقف خلفها. فـCSIS، الذي يرأسه نائب وزير الحرب الأمريكي الأسبق جون هامر، يُعد المرجع الأكثر تأثيرًا على الكونغرس والإدارات الأمريكية المتعاقبة في ملفات الأمن القومي والدفاع والتكنولوجيا. ما يرد في تقاريره غالبًا ما يتحول إلى سياسات، أو على الأقل إلى مبررات تشريعية وميزانيات ضخمة.

الورقة خلصت إلى أن وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) تواجه معضلة بنيوية في موازنة الاستهلاك السريع للصواريخ الاعتراضية في النزاعات الإقليمية، مقابل الحاجة إلى الحفاظ على الجاهزية الاستراتيجية في مواجهة خصوم من الوزن الثقيل. وذهبت أبعد من ذلك، محذّرة من أن استمرار الوضع الحالي، دون قفزة إنتاجية كبرى، قد يدفع الولايات المتحدة إلى تقليص التزاماتها الدفاعية في أكثر من مسرح عالمي.

استنزاف المخزونات الأمريكية

ركّزت الدراسة على التحول الجذري في طبيعة الحروب الحديثة، حيث باتت الصواريخ والطائرات المسيّرة سلاحًا رئيسيًا لا يمكن تجاهله. هذا التحول جعل منظومات الاعتراض، مثل «ثاد»، و«باتريوت»، و«أس أم–3»، شرطًا أساسيًا لأي مشاركة عسكرية ذات معنى، وليس مجرد أدوات دعم ثانوية.

وأشارت الورقة إلى أن المخزونات الأمريكية تعرّضت لاستنزاف حاد خلال عام 2025، خصوصًا بفعل الحرب الإسرائيلية الإيرانية بين 13 و24 يونيو، والعمليات العسكرية ضد الحوثيين بين مارس ومايو من العام نفسه، فضلًا عن استمرار تدفق الأسلحة الاعتراضية إلى أوكرانيا في حربها مع روسيا. هذا الاستهلاك المتسارع كشف، بحسب الورقة، أن المخزون الحالي غير كافٍ لإدارة نزاعات عالية الكثافة ومتزامنة.

التحذير الأبرز تمثل في أن هذا النقص لا يهدد فقط الأمن القومي الأمريكي، بل يضعف القدرة على الدفاع عن الحلفاء، ويقوّض مصداقية الضمانات الأمريكية. لذلك دعت الورقة إلى زيادة عاجلة في الطاقة الإنتاجية، وتأمين تمويل مستقر طويل الأمد، وإعادة التوازن بين الطلب الأمريكي الداخلي والطلبات الأجنبية، مع البحث عن بدائل أرخص وأكثر كفاءة قبل فوات الأوان.

الكونغرس يدخل على الخط

تزامن صدور ورقة CSIS مع تحذيرات أخرى أكثر رسمية، أطلقتها صحيفة «ستارز آند سترايبس» الأمريكية، التي تعمل بتفويض مباشر من الكونغرس لخدمة القوات المسلحة. ففي التاسع من ديسمبر، نشرت الصحيفة تقريرًا ركّز على تأثير الحرب الروسية الأوكرانية في استهلاك الذخائر الأمريكية، محذرة من أن واشنطن غير مهيأة حاليًا لخوض أكثر من حرب كبرى في وقت واحد.

التقرير استند إلى قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، الذي ألزم البنتاغون بوضع خطة واضحة لإعادة ملء مخزونات الذخيرة إلى مستويات تمكّن القوات الأمريكية من إدارة صراعات متعددة واسعة النطاق في آن واحد. كما فرض القانون على وزير الحرب بيت هيغسيث تقديم تقرير تفصيلي يوضح كيفية ضمان توفر الذخائر الحيوية في مختلف أنحاء العالم.

ويشمل هذا التقييم حساب عدد الأيام التي تستطيع القوات الأمريكية القتال خلالها قبل نفاد المخزون الحالي، وتقدير الزمن اللازم لإعادة الإنتاج، ودراسة قدرات الخصوم الرئيسيين، وعلى رأسهم الصين وروسيا. كما ألزم القانون وزارة الحرب بإدراج خطة واضحة ضمن ميزانية 2027 لمواجهة أكثر من خصم استراتيجي في الوقت نفسه.

سيناريو 2027 ونقطة الاشتعال

في هذا السياق، حذّر الجنرال أليكسوس غرينكويتش، القائد الأعلى لقوات حلف الناتو في أوروبا وقائد القيادة الأوروبية الأمريكية، من أن الحلفاء يجب أن يستعدوا لاحتمال اندلاع حروب متزامنة تقودها روسيا والصين. واعتبر أن عام 2027 قد يشكل نقطة اشتعال محتملة للنظام الدولي.

منظومة باتريوت في موقع غير محدد بأوكرانيا، 4 أغسطس 2024 (فرانس برس)
منظومة باتريوت في موقع غير محدد بأوكرانيا، 4 أغسطس 2024 (فرانس برس)


 

غرينكويتش ذهب إلى حد الجزم بأن أي هجوم صيني على تايوان لن يكون حدثًا معزولًا، بل قد يتزامن مع تحركات روسية منسّقة في أوروبا، في إطار تفاهم استراتيجي بين شي جين بينغ وفلاديمير بوتين. هذا السيناريو، إن تحقق، سيضع القدرات الأمريكية أمام اختبار وجودي حقيقي.

هذه التحذيرات لم تعد مجرد افتراضات أكاديمية، بل تحولت إلى أساس تفكير داخل دوائر صنع القرار العسكري، خصوصًا مع تآكل التفوق النوعي الأمريكي في مجال الذخائر الاعتراضية، مقابل تسارع الإنتاج لدى الخصوم.

ترامب وميزانية «الجيش الحلم»

في مواجهة هذه التحذيرات، تحرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسرعة لافتة. ففي السابع من يناير الماضي، أعلن عبر منصة «تروث سوشال» قراره رفع ميزانية الدفاع لعام 2027 إلى 1.5 تريليون دولار، مقارنة بأقل من تريليون حاليًا، بعد مفاوضات وصفها بالطويلة والصعبة مع الكونغرس والوزراء.

ترامب ربط هذه الزيادة الضخمة بالرسوم الجمركية، معتبرًا أنها ستكون الأداة الرئيسية لبناء «الجيش الحلم» الذي لا ينافسه أحد عالميًا. وجاء هذا الخطاب متسقًا مع نهجه القائم على فرض الهيمنة عبر أقصى درجات الضغط، لا عبر التفاهمات التقليدية.

خلال يناير وحده، أطلق ترامب تهديدات مباشرة ضد عدة دول، من بينها إيران والمكسيك وكولومبيا، وتحدث صراحة عن الاستيلاء على غرينلاند بالقوة، مكررًا عبارته الشهيرة: «لدينا أقوى جيش في العالم». هذا الخطاب يعكس عقلية ترى في القوة العسكرية الأداة الأولى لإعادة تشكيل النظام الدولي.

أرقام الإنفاق ومعضلة الهيمنة

وفق تقديرات عام 2024، تجاوز الإنفاق العسكري العالمي 2.7 تريليون دولار، استحوذت الولايات المتحدة وحدها على نحو 962 مليار دولار، أي ما يقارب 37% من الإجمالي. تلتها الصين بإنفاق تراوح بين 246 و314 مليار دولار، ثم روسيا بأكثر من 150 مليار دولار.

إذا نجحت إدارة ترامب في رفع ميزانية الدفاع إلى 1.5 تريليون دولار، فإن واشنطن قد تتجاوز منفردة 50% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي. غير أن السؤال المركزي يبقى: من أين سيتم تأمين هذا التمويل، وما إذا كان سيُترجم فعليًا إلى سد فجوات الذخيرة والدفاع الجوي، أم سيُهدر في برامج باهظة وبطيئة العائد.

هذه الأرقام تكشف أن المشكلة ليست نقص الأموال فقط، بل سرعة تحويلها إلى قدرات تشغيلية حقيقية قادرة على تلبية متطلبات الحروب الحديثة.

الشرق الأوسط واختبار الجاهزية

مع تصاعد التهديدات الأمريكية ضد إيران، وإرسال واشنطن ما وصفه ترامب بـ«أكبر أسطول» إلى المنطقة، عادت الأسئلة الجوهرية حول جاهزية الدفاع الجوي الأمريكي في الشرق الأوسط، لا سيما في حال اندلاع مواجهة مباشرة.

سؤال مباشر وُجّه إلى وزارة الحرب الأمريكية حول امتلاك أنظمة كافية للدفاع عن إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة، لكن الرد جاء مقتضبًا: «لأسباب تتعلق بأمن العمليات، لا نعلق على وضع القوات». هذا الصمت يعكس حساسية الملف، وربما حجم القلق الكامن خلف الكواليس.

التحفظ ذاته انسحب على عدد من مراكز الأبحاث والخبراء، الذين فضّل معظمهم عدم الرد على أسئلة تتعلق بحجم المخزونات الفعلية، في مؤشر إضافي إلى أن الملف أكثر تعقيدًا مما يُعلن رسميًا.

بين التحذير والتقليل من الخطر

موقع «منطقة الحرب» المتخصص في الأمن القومي كان الجهة الوحيدة التي قدّمت ردًا علنيًا، مؤكدة أن الولايات المتحدة «تحتاج دائمًا إلى المزيد من صواريخ الاعتراض»، مع الإشارة إلى أن البنتاغون يستعد لجميع السيناريوهات. الموقع كشف أن واشنطن حوّلت بالفعل أنظمة دفاعية من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط قبل الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو الماضي.

في المقابل، قدّم محللان عسكريان، طلبا عدم الكشف عن هويتهما، قراءة أقل تشاؤمًا. فبرأيهما، يشكو العسكريون دائمًا من نقص الأسلحة، لكن الهيكل الصناعي العسكري الأمريكي قادر على تعويض أي فجوة بسرعة. وأشار أحدهما إلى توجه ترامب نحو تصنيع مسيّرات رخيصة بدل الأنظمة المكلفة، وهو ما تؤكده تقارير عن إنتاج مسيّرات بتكلفة عشرات الآلاف فقط، وفقا لـ"العربي الجديد".

بين هذين التقديرين، يبقى الواقع مفتوحًا على سيناريوهات متناقضة. لكن المؤكد أن التحذيرات لم تعد نظرية، وأن مسألة الدفاع الصاروخي باتت في صلب معادلة الردع الأمريكية، قبل أن تتحول أي مواجهة كبرى إلى اختبار قاسٍ لقدرة واشنطن على حماية نفسها وحلفائها في آن واحد.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال