21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

مسقط كمنصة احتواء: مفاوضات نووية مضغوطة بين واشنطن وطهران على حافة الانفجار الإقليمي

لا يُعد اختيار سلطنة عُمان لاستضافة المفاوضات المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة تفصيلاً بروتوكوليًا، بل يعكس عودة واعية إلى قناة تقليدية لطهران في إدارة الاشتباك الدبلوماسي مع واشنطن.

بقلم: أخبار ومتابعات
٤ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
10 مشاهدة
مجسم مطبوع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومضيق هرمز وإيران في صورة توضيحية التقطت يوم 22 يونيو 2025. رويترز

مجسم مطبوع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومضيق هرمز وإيران في صورة توضيحية التقطت يوم 22 يونيو 2025. رويترز

لا يُعد اختيار سلطنة عُمان لاستضافة المفاوضات المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة تفصيلاً بروتوكوليًا، بل يعكس عودة واعية إلى قناة تقليدية لطهران في إدارة الاشتباك الدبلوماسي مع واشنطن. لطالما مثّلت مسقط ساحة “منخفضة الضجيج” للمحادثات الحساسة، بما يسمح بإدارة الخلاف دون ضغوط إعلامية أو تدخلات إقليمية مباشرة.

اللافت أن نقل مكان التفاوض من إسطنبول إلى سلطنة عُمان جاء بطلب إيراني صريح، في إشارة إلى رغبة واضحة في إعادة ضبط إطار المحادثات ومنع توسعها خارج حدود الملف النووي. فإيران لا تبحث عن تفاوض شامل، بل عن مسار ضيق ومحدد، يعالج قضية واحدة مقابل مكسب مباشر هو رفع العقوبات.

في المقابل، يعكس قبول واشنطن بعُمان كمقر للمحادثات إدراكًا أمريكيًا لحساسية اللحظة، ورغبة في إبقاء باب التهدئة مفتوحًا، حتى مع استمرار سياسة الضغط العسكري والنفسي في محيط إيران البحري والإقليمي.

حصر الملف النووي

يمثّل إصرار طهران على قصر المفاوضات على الملف النووي فقط جوهر استراتيجيتها التفاوضية الحالية. فإيران ترى أن أي نقاش حول برنامجها الصاروخي أو قدراتها الدفاعية يمس مباشرة بعقيدة الردع التي بنتها خلال عقود، ويُعد تنازلاً سياديًا غير قابل للنقاش.

الموقف الإيراني يستند أيضًا إلى قراءة دقيقة للتوازنات: فالبرنامج النووي، رغم حساسيته، قابل للمقايضة التقنية والزمنية، بينما الصواريخ الباليستية تُعد الضمانة الأساسية في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي. لذلك تصر طهران على الفصل الكامل بين المسارين.

هذا الإصرار يضع واشنطن أمام معضلة حقيقية، إذ ترغب الإدارة الأمريكية في “صفقة أوسع” تشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن الإصرار على ذلك قد ينسف المفاوضات من أساسها ويفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب.

ضغط عسكري متزامن

تأتي المفاوضات في ظل تصعيد عسكري أمريكي واضح في المنطقة، شمل تعزيز الوجود البحري، وإسقاط طائرة مسيّرة إيرانية قرب حاملة الطائرات “إبراهام لينكولن”، إضافة إلى حوادث متكررة في مضيق هرمز. هذا التزامن بين التفاوض والضغط يعكس مقاربة أمريكية كلاسيكية تقوم على “العصا والجزرة”.

إيران من جهتها قرأت هذا التصعيد باعتباره محاولة لفرض شروط تفاوضية مسبقة، وهو ما دفعها إلى التشدد في مسألة جدول الأعمال ومكان التفاوض. الرسالة الإيرانية واضحة: التهديد العسكري لن يوسّع سقف التنازلات، بل سيضيّقه.

لكن هذا التوتر الميداني يخلق هامش خطأ خطيرًا، إذ إن أي حادث بحري أو اشتباك غير محسوب قد يُخرج المفاوضات عن مسارها، ويحوّلها من أداة احتواء إلى مجرد غطاء مؤقت لانفجار أوسع.

حسابات واشنطن الداخلية

لا ينفصل الضغط الأمريكي عن حسابات داخلية معقدة داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب. فترامب يريد إنجازًا دبلوماسيًا يُقدَّم للرأي العام بوصفه “اتفاقًا أفضل” من الاتفاق النووي السابق، دون أن يبدو وكأنه قدّم تنازلات مجانية لطهران.

في الوقت نفسه، تواجه الإدارة الأمريكية تقديرات استخباراتية تحذّر من أن أي ضربة عسكرية واسعة ضد إيران قد تفتح جبهة إقليمية متعددة المستويات، وتضع القوات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط تحت تهديد مباشر. هذا ما يفسّر الجمع بين التهديد والتفاوض في آن واحد.

كما أن إشراك شخصيات مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف يشير إلى أن الملف لا يُدار فقط عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل عبر دائرة سياسية ضيقة قريبة من ترامب، ما يزيد من طابع الصفقة الشخصية أكثر من كونها تسوية مؤسسية طويلة الأمد.

الإقليم على الهامش

رغم الحديث عن مشاركة دول إقليمية مثل السعودية وقطر ومصر والإمارات، فإن إصرار طهران على محادثات ثنائية يعكس رغبة في تحييد الأطراف الإقليمية، ومنع تحويل التفاوض إلى منصة لتصفية حسابات إقليمية أوسع.

تدرك إيران أن توسيع الطاولة يعني إدخال ملفات النفوذ الإقليمي ودعم الحلفاء، وهو ما تعتبره خطًا أحمر لا يقل حساسية عن برنامجها الصاروخي. لذلك تفضّل مسارًا ثنائيًا مباشرًا مع واشنطن، حتى لو كان أكثر توترًا.

في المقابل، تجد دول المنطقة نفسها في موقع المراقب القَلِق، إذ أن فشل المفاوضات قد يترجم سريعًا إلى تصعيد عسكري يطال الممرات البحرية وأسواق الطاقة، كما عكسته التحركات الأخيرة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط.

مفاوضات على حافة الصدام

المحادثات المرتقبة في مسقط ليست عودة سلسة إلى مسار دبلوماسي مستقر، بل محاولة لشراء الوقت ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. كلا الطرفين يدخل التفاوض وهو يضع إصبعه على الزناد، لا على طاولة التنازلات.

تسعى إيران إلى تثبيت معادلة واضحة: نووي مقابل عقوبات، دون المساس بعناصر القوة الأخرى. أما واشنطن فتحاول اختبار حدود الصلابة الإيرانية، ومعرفة ما إذا كان الضغط العسكري والسياسي كافيًا لتوسيع جدول الأعمال لاحقًا.

بين هذين المسارين، تبدو مسقط محطة اختبار حاسمة. إما أن تنجح في إعادة ضبط الاشتباك الأمريكي الإيراني ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، أو تتحول إلى مجرد محطة عابرة تسبق جولة جديدة من التصعيد، قد لا تبقى هذه المرة تحت سقف الرسائل والتحذيرات.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

مسقط كمنصة احتواء: مفاوضات نووية مضغوطة بين واشنطن وطهران على حافة الانفجار الإقليمي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°