أكدت د. هبة البشبيشي أستاذ العلوم السياسية والشؤون الإفريقية، أن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة تأتي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تشهد فيه المنطقة ثلاثة مسارات صراع كبرى متداخلة ولكن أهمها ملف ليبيا، لكل منها انعكاس مباشر على الأمن القومي المصري. ففي الوقت الذي تستمر فيه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة دون أفق سياسي واضح، تتصاعد حالة الانفلات الأمني في السودان مع استمرار المواجهات بين طرفي الصراع، بينما تظل الساحة الليبية واحدة من أخطر بؤر التهديد المباشر لمصر.
وأضافت البشبيشي لـ"180 تحقيقات"، فإن جوهر الزيارة لا يرتبط بالقضية الفلسطينية كما يروَّج إعلاميًا، بل ينصرف بالأساس إلى الملف الليبي بوصفه أولوية أمنية قصوى للقاهرة. فليبيا تمثل مجالًا حيويًا للتأثير التركي، حيث لا تزال أنقرة تمتلك حضورًا عسكريًا ونفوذًا سياسيًا فاعلًا منذ تدخلها الحاسم خلال السنوات الماضية، في مقابل دور مصري مؤثر سعى إلى ضبط المسار السياسي ومنع انزلاق البلاد نحو تقسيم دائم أو سيطرة قوى معادية على حدود مصر الغربية.
وتؤكد، أن الدور التركي في القضية الفلسطينية محدود التأثير، بل تحكمه علاقات استراتيجية قائمة مع إسرائيل، ما يجعل الخطاب التركي الداعم للفلسطينيين أقرب إلى توظيف إعلامي ورمزي، لا يرقى إلى مستوى الدعم السياسي أو العسكري الحقيقي للمقاومة. ومن ثم، فإن القاهرة لا تنظر إلى أنقرة كشريك محوري في إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بقدر ما تتعامل معها كطرف مؤثر في التوازنات الليبية.
ليبيا تجاوزت الصراع السياسي
فالملف الليبي، وفق هذا التقدير، يتجاوز الصراع السياسي الداخلي ليصبح تهديدًا أمنيًا واقتصاديًا مباشرًا، في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على ضبط الحدود. وتشير المعطيات إلى تصاعد غير مسبوق في عمليات تهريب السلاح والبشر عبر الحدود الليبية–المصرية، إضافة إلى تنامي شبكات تهريب الذهب، التي باتت تشكل مافيا عابرة للحدود، تنعكس آثارها بوضوح على السوق المصرية، لا سيما مع القفزات الحادة في أسعار الذهب.

وقالت البشبيشي، يُنظر إلى هذا الانفلات بوصفه خطرًا استراتيجيًا يفوق في تأثيره المباشر الحرب الجارية في غزة، من زاوية الأمن القومي المصري، حيث تتحمل القوات المسلحة المصرية عبئًا هائلًا في تأمين الحدود الغربية في صمت، بعيدًا عن الاستعراض الإعلامي، لمنع تسلل العناصر المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة.
في هذا السياق، تُقرأ زيارة أردوغان باعتبارها محاولة لإعادة ضبط التفاهمات المصرية–التركية حول ليبيا، والبحث في آليات الحد من الفوضى الأمنية، وتحييد المصالح المتعارضة، بما يمنع تحول الساحة الليبية إلى مصدر تهديد دائم للاستقرار المصري. ويخلص التحليل إلى أن القاهرة تتعامل مع الزيارة من منظور أمني براغماتي، يضع حماية الحدود ومواجهة اقتصاد الجريمة في صدارة الأولويات، بعيدًا عن الشعارات أو الاصطفافات الخطابية.









