افتُتحت ليبيا، فجر الثلاثاء، على وقع حدث صادم أعاد إلى الواجهة أكثر فصولها دموية واضطرابًا، مع الإعلان عن اغتيال سيف الإسلام القذافي داخل منزله في مدينة الزنتان. ووفق إفادة محاميه الفرنسي مارسيل سيكالدِي، نفذت العملية وحدة مسلحة مكوّنة من أربعة عناصر اقتحمت المنزل وأطلقت النار عليه، قبل أن تنسحب من المكان في ظروف لا تزال غامضة.
الواقعة، التي سرعان ما تحولت إلى زلزال سياسي وأمني، لم تُقرأ بوصفها جريمة جنائية معزولة، بل كاغتيال سياسي مباشر لشخصية كانت تمثل عقدة مركزية في معادلة السلطة والانتخابات الليبية. ومع انتشار الخبر، سادت حالة توتر أمني في الزنتان نفسها، وسط مخاوف من ردود فعل قبلية أو تحركات لأنصار النظام السابق، ما أعاد شبح الفوضى إلى الواجهة.
صدمة الشارع الليبي
خلّف اغتيال سيف الإسلام القذافي حالة صدمة واسعة في الشارع الليبي، لا سيما في المناطق التي ما زالت تنظر إليه بوصفه رمزًا سياسيًا قادرًا على كسر الاستقطاب القائم منذ 2011. فقد مثّل الرجل، بالنسبة لقطاع من الليبيين، خيارًا خارج الاصطفافات المسلحة، وممرًا محتملًا لإعادة إنتاج الدولة على أسس وطنية جامعة.
اقرأ أيضا: تفاصيل اغتيال سيف الإسلام القذافي: تصفية سياسية تعيد فتح جرح ليبيا المؤجل
هذه الصدمة لم تقتصر على أنصاره، بل امتدت إلى طيف سياسي أوسع يرى في الاغتيال مؤشرًا خطيرًا على انسداد الأفق السياسي، وتحول العنف إلى أداة حسم نهائية في الصراع على السلطة. كثير من الأصوات حذّرت من أن ما جرى يهدد ما تبقى من فرص التسوية، ويعيد البلاد إلى منطق “إقصاء الخصوم بالرصاص”.
في هذا السياق، لم يكن الاغتيال حدثًا عابرًا، بل لحظة كاشفة عن هشاشة المشهد الأمني، وعجز المؤسسات القائمة عن حماية شخصيات عامة مرشحة للعب أدوار سياسية محورية، ما يعمّق أزمة الثقة بين المجتمع والدولة.
رواية اغتيال سيف الإسلام القذافي
إفادات محامي سيف الإسلام القذافي حول تنفيذ العملية بواسطة “كوماندوز من أربعة أشخاص” فتحت الباب أمام تساؤلات خطيرة بشأن الجهة التي تقف خلف الاغتيال. فطبيعة العملية، من حيث التخطيط والتنفيذ والانسحاب، توحي بعمل منظم يتجاوز حدود الجريمة الفردية.
غياب التفاصيل الرسمية، حتى الآن، عزّز منسوب الشكوك، وفتح المجال أمام قراءات تتحدث عن تصفية سياسية مدروسة تهدف إلى إعادة رسم الخريطة السياسية بالقوة. فاغتيال شخصية بحجم سيف الإسلام، وفي معقل أمني حساس مثل الزنتان، لا يمكن فصله عن الصراع على مستقبل السلطة.
هذا الغموض، مقرونًا بتاريخ طويل من الإفلات من العقاب في ليبيا، يثير مخاوف حقيقية من أن يُضاف الاغتيال إلى سلسلة جرائم سياسية لم تُحاسَب أطرافها، ما يرسّخ ثقافة العنف كوسيلة إدارة للخلاف.
اغتيال مشروع وطني
موسى إبراهيم، السياسي والكاتب الليبي، قدّم واحدة من أكثر المواقف حدّة ووضوحًا، معتبرًا أن اغتيال سيف الإسلام القذافي لم يستهدف شخصًا، بل استهدف “أملاً ومستقبلاً”. وفي توصيفه، رأى أن الرجل كان يحمل مشروعًا لوحدة ليبيا وسيادتها، وأن قتله جاء خدمة مباشرة لمصالح “الأجنبي في البلاد”.
إبراهيم شدد على أن الجريمة تهدف إلى تعميق الانقسام وزرع الكراهية، ودفع ليبيا نحو مزيد من الدماء، لا سيما في ظل غياب أي مسار وطني جامع. وأشار إلى أنه كان على تواصل مع سيف الإسلام قبل يومين فقط، وأن حديثه لم يكن ينصرف إلا إلى ليبيا الآمنة والمطمئنة لأهلها.
قتلوه غدراً وهو كان يريد ليبيا موحدة سيدة آمنة لأهلها جميعاً.
— موسى إبراهيم (@Moussa_Ibrahim_) February 3, 2026
اغتالوا أملاً ومستقبلاً، وزرعوا حقداً وكراهية.
الهدف: مزيد من الدماء وانقسام ليبيا وتدمير كل مشروع للوحدة الوطنية - خدمة لمصالح الأجنبي في البلاد.
كنت أحادثه قبل يومين، فلا حديث عنده إلا ليبيا المطمئنة، وأهل ليبيا… pic.twitter.com/k32bCbhYuv
هذا الخطاب يعكس رؤية شريحة من الليبيين ترى في الاغتيال ضربة متعمدة لأي مشروع وحدة وطنية، ورسالة بأن كل من يحاول تجاوز الاستقطاب القائم سيكون عرضة للتصفية، لا للمنافسة السياسية.
قراءة أكاديمية باردة
في مقاربة مختلفة، قدّم الباحث الليبي عماد الدين بادي قراءة تحليلية أقل انفعالية، لكنها لا تقل خطورة في دلالاتها. فقد اعتبر أن اغتيال سيف الإسلام سيحوّله إلى “شهيد” في نظر قطاع واسع من الليبيين، ما قد يعزز رمزيته بدل إنهائها.
بادي أشار إلى أن غياب سيف الإسلام القذافي عن المشهد قد يغيّر ديناميكيات الانتخابات الرئاسية، عبر إزالة أحد أبرز الأسماء التي كانت محل خلاف حاد بين الأطراف المحلية والدولية. فترشحه وإمكانية فوزه كانا يمثلان عقدة سياسية وقانونية لم تُحل.
Seif al Islam Gaddafi was reportedly assassinated in Libya - a development likely to cast him as a martyr for a significant segment of the population, while also shifting electoral dynamics by removing a major obstacle to presidential elections, given that his candidacy and… pic.twitter.com/K9vB5rSUJp
— Emadeddin Badi (@emad_badi) February 3, 2026
هذه القراءة تفتح الباب أمام تساؤل جوهري: هل كان الاغتيال محاولة لإنهاء أزمة سياسية، أم خطوة ستؤدي إلى تعقيدها أكثر عبر تحويل شخصية سياسية إلى رمز مظلومية دائم؟
تحذير من التطبيع
صلاح البكوش، المستشار السابق لرئيس المجلس الأعلى للدولة، ركّز في موقفه على البعد المبدئي، محذرًا من خطورة الصمت تجاه الاغتيال السياسي. واعتبر أن السكوت عن الجريمة يعني تطبيع العنف، وتشجيع الإفلات من العقاب.
البكوش شدد على أن من يصمت اليوم يبعث برسالة مفادها أن القتل أداة مشروعة في العمل السياسي، وهو ما ينسف أي حديث عن دولة قانون أو مسار ديمقراطي. موقفه عكس قلقًا حقيقيًا داخل أوساط سياسية تخشى من تحوّل الاغتيالات إلى قاعدة لا استثناء.
صلاح البكوش، مستشار عبد الرحمن السويحلي، بعد اغتيال المغدور سيف الإسلام القذافي: الصمت تجاه الاغتيال السياسي تطبيع للعنف، وتشجيع للإفلات من العقاب، ومن يسكت اليوم يبعث رسالة بأن القتل أداة مقبولة في السياسة. #ليبيا_برس pic.twitter.com/o4k9qzboAc
— libyapress (@Libyapress2020) February 4, 2026
هذا التحذير يسلط الضوء على معضلة أعمق، تتمثل في عجز النخب والمؤسسات عن وضع خطوط حمراء أخلاقية وسياسية، في ظل صراع مفتوح لا تحكمه قواعد.
موقف المجلس الرئاسي
في محاولة لاحتواء التداعيات، دعا رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى ضبط النفس وتجنّب التحريض في الخطاب العام. وطالب القوى السياسية ووسائل الإعلام بانتظار نتائج التحقيق الرسمي، في موقف يعكس حرصًا على منع الانفجار الأمني.
اللافت أن بيان المنفي أشار إلى سيف الإسلام بصفته “مرشحًا رئاسيًا”، ما يحمل دلالة سياسية مهمة حول موقعه في المعادلة الوطنية، حتى بعد اغتياله. هذا التوصيف يعكس اعترافًا ضمنيًا بثقله السياسي، رغم الخلافات العميقة حوله.
غير أن دعوات التهدئة، في ظل غياب ثقة حقيقية بالتحقيقات الرسمية، قد لا تكون كافية لاحتواء الغضب، خاصة في بيئة اعتادت على طيّ ملفات الاغتيالات دون محاسبة.
بدوره، أعرب موسى الكوني، نائب رئيس المجلس الرئاسي الذي يمثل منطقة فزان الليبية، رفضه للاغتيالات السياسية. وقال في منشور عبر منصة "إكس": " لا لأخذ المطالب بالقوة، وبالعنف لغة ووسيلة. نشدد على أن ما تحتاجه ليبيا اليوم هو المضي قدماً باتجاه مخارج الحوار، والثقة بإن وحده التواصل البناء بين كافة الأطراف، ما سيقودنا إلى الحل الممكن/ والمًنتظر لأزمة الوطن".
كم تبدو بائسة تلك الصراعات السياسية التي تتكلكل على ظهر الوطن، أمام وجع محارب، فقد أطرافه في معارك من أجل وحدة #ليبيا pic.twitter.com/bzjZB4fJlj
— موسى الكوني Al Kouni (@Moussa_kouni) December 11, 2016
الزنتان على صفيح ساخن
ميدانيًا، شهدت مدينة الزنتان توترًا أمنيًا ملحوظًا عقب الاغتيال، مع مخاوف جدية من اشتباكات قبلية أو تحركات انتقامية من أنصار القذافي. هذا التوتر يعكس هشاشة الوضع الأمني، وسرعة انزلاقه نحو مواجهات محلية.
الزنتان، التي لطالما لعبت دورًا معقدًا في المشهد الليبي، تجد نفسها مجددًا في قلب عاصفة سياسية وأمنية، قد تتجاوز حدود المدينة إذا لم تُحتوَ بسرعة. فاغتيال شخصية بهذا الوزن لا يمكن عزله جغرافيًا.
لا يبدو اغتيال سيف الإسلام القذافي نهاية فصل، بل افتتاح مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها الأبرز أن السياسة في ليبيا ما زالت تُدار بالسلاح، لا بصناديق الاقتراع.










