تشهد الجبهة الجنوبية في لبنان تصعيداً من نوع مختلف يتجاوز حدود الاشتباكات العسكرية التقليدية، حيث رصدت الجهات الرسمية والميدانية قيام طائرات تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي برش مواد كيميائية وسامة فوق مساحات زراعية شاسعة ممتدة على طول الخط الأزرق.
هذا التطور الخطير، الذي وصفه مراقبون بـ "الإرهاب البيئي"، أثار موجة عارمة من القلق في الأوساط الرسمية اللبنانية والأممية، خاصة بعد أن تبين أن هذه المواد ليست مجرد مبيدات عادية، بل هي مركبات كيميائية عالية التركيز تهدف إلى تدمير الغطاء النباتي وتسميم التربة بشكل دائم.
إن استهداف سبل عيش المزارعين في قرى الجنوب يمثل حلقة جديدة من حلقات "إستراتيجية الأرض المحروقة" التي تنتهجها إسرائيل لتقويض مقومات الصمود الشعبي وتحويل القرى الحدودية إلى مناطق غير قابلة للحياة.
تحذيرات اليونيفيل وشلل العمليات الميدانية
في بيان رسمي شديد اللهجة، حذرت قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) من التداعيات الوخيمة لاستخدام هذه المواد الكيميائية، مؤكدة أن النشاط الجوي الإسرائيلي الأخير أدى إلى عرقلة مهامها الميدانية بشكل غير مسبوق.
وأوضحت القوة الدولية أن جيش الاحتلال أبلغها مسبقاً بنيته تنفيذ نشاط جوي لإسقاط مواد وصفها بـ "غير السامة"، وطلب من عناصر القبعات الزرقاء البقاء داخل ملاجئهم، مما تسبب في شلل ميداني على طول ثلث الخط الأزرق لأكثر من تسع ساعات متواصلة.
واعتبرت اليونيفيل أن هذا السلوك "غير مقبول" ويمثل خرقاً صارخاً للقرار الدولي 1701، مشددة على أن تعريض سلامة المدنيين وقوات حفظ السلام لمواد كيميائية مجهولة يفتح الباب أمام مخاطر صحية وبيئية طويلة الأمد قد لا تظهر نتائجها الكارثية بشكل فوري.
كشفت التحقيقات الأولية التي أجرتها فرق فنية مختصة تابعة لوزارتي الزراعة والبيئة اللبنانيتين، بالتنسيق مع الجيش اللبناني، أن المادة التي رُشت هي مبيد الأعشاب "غليفوسات" ، بتركيزات تفوق المعدلات الطبيعية بنحو ثلاثين ضعفاً.
وأكد الخبراء أن هذا التركيز العالي لا يهدف لمكافحة الآفات، بل لقتل الأشجار المثمرة والمحاصيل الزراعية وتسميم المياه الجوفية والتربة، مما يؤدي إلى "إبادة بيئية" منظمة.
إن استخدام الطيران العسكري لترذيذ هذه السموم فوق القرى المأهولة مثل "عيتا الشعب" وغيرها، يضع إسرائيل تحت طائلة المسؤولية الجنائية الدولية، حيث يعتبر القانون الدولي الإنساني أن تدمير الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، مثل الأراضي الزراعية والمياه، يرقى إلى مستوى جرائم الحرب الموصوفة.
تداعيات صحية واقتصادية تهدد الأمن الغذائي اللبناني
لا تتوقف مخاطر هذا الاعتداء عند حدود خسارة الموسم الزراعي الحالي، بل تمتد لتضرب عمق الأمن الغذائي اللبناني والصحة العامة للسكان في المناطق المستهدفة.
فقد أصدرت وزارة الصحة اللبنانية تحذيرات عاجلة للمواطنين والمزارعين بضرورة تجنب ملامسة المزروعات المتضررة أو استخدام مصادر المياه المشتبه بتعرضها للرش، خشية حدوث حالات تسمم حاد أو أمراض مزمنة ناتجة عن استنشاق هذه المواد السامة، اقتصادياً، يمثل هذا الاستهداف ضربة قاضية لآلاف العائلات التي تعتمد على الزراعة كمصدر وحيد للدخل، في وقت يعاني فيه لبنان من أزمة اقتصادية خانقة. إن تحويل الأراضي الخصبة في الجنوب إلى "صحراء كيميائية" هو محاولة إسرائيلية لفرض "حزام أمني بيئي" خالٍ من السكان، وهو ما يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لوقف هذه الممارسات وضمان محاسبة مرتكبيها.
المسار القانوني والتحرك الدبلوماسي المرتقب
أعلنت الحكومة اللبنانية، بتوجيه من رئاستي الجمهورية ومجلس الوزراء، البدء في إعداد ملف قانوني وفني متكامل لرفعه إلى مجلس الأمن الدولي والمنظمات الدولية المعنية بحماية البيئة.
وتهدف هذه الخطوة إلى توثيق "الاعتداء الكيميائي" وتحديد حجم الأضرار البيئية والزراعية بدقة، تمهيداً للمطالبة بتعويضات ومعاقبة الاحتلال على هذا التجاوز الخطير لمواثيق جنيف وبروتوكولات حظر الأسلحة الكيميائية والسامة.
ويؤكد حقوقيون أن الصمت الدولي حيال استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض سابقاً شجعها على الانتقال إلى استخدام السموم الكيميائية في عملياتها الحالية، مما يفرض على المجتمع الدولي ضرورة اتخاذ موقف حازم يتجاوز عبارات الإدانة، لضمان حماية المدنيين والبيئة اللبنانية من العبث العسكري الذي يهدد استقرار المنطقة برمتها.










