يمثل قطاع تكنولوجيا المعلومات في قطاع غزة، وفق الرؤية التحليلية التي يطرحها الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر، أحد أهم الركائز الاستراتيجية التي استند إليها الاقتصاد الفلسطيني قبل اندلاع حرب الإبادة الجماعية، لقد نجح هذا القطاع، عبر سنوات من التحدي، في أن يتحول من مجرد قطاع خدمي محلي إلى أحد أبرز مصادر الدخل الخارجي، حيث كان يوجه نحو 80% من نشاطه الكلي إلى الأسواق الدولية.

الباحث أحمد أبو قمر
وبحسب "أبو قمر"، فإن هذا التوجه جعل من التكنولوجيا مولداً حيوياً للعملة الصعبة في اقتصاد يرزح تحت وطأة الحصار، فضلاً عن كونه الملاذ الأول لآلاف الخريجين الذين وجدوا فيه فرص عمل نوعية تتجاوز الحواجز الجغرافية والسياسية.
واقع التكنولوجيا في 2026
وفي قراءة ميدانية لواقع الحال مع مطلع عام 2026، يشير الباحث أحمد أبو قمر إلى أن قطاع تكنولوجيا المعلومات يعمل اليوم بأقل من 25% من طاقته السابقة قبل الحرب هذا التراجع الحاد ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو انعكاس لتوقف أكثر من 70% من شركات التكنولوجيا عن العمل بشكل كلي أو جزئي.
ويؤكد "أبو قمر" أن المشكلة لم تعد تقتصر على الشركات التي تعرضت مقارها للقصف المباشر فحسب، بل تمتد لتشمل كافة الفاعلين في هذا المجال؛ حيث تعرضت البنية التحتية الرقمية لتدمير شبه كامل، ما جعل الاستمرارية التشغيلية ضرباً من المستحيل حتى لمن نجت مكاتبهم، نتيجة غياب الحد الأدنى من مقومات الاتصال والطاقة والخدمات اللوجستية.
الحصار التقني وجنون الأسعار
ويلفت الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر الانتباه إلى أن الخسائر الناجمة عن حرب الإبادة لم تكن رمزية أو عابرة، بل طالت الأدوات المادية والتقنية التي تعد وقود هذا الاقتصاد. فنتيجة لسياسة المنع الممنهجة التي تفرضها سلطات الاحتلال على إدخال المعدات والأجهزة المتطورة، شهدت أسعار الأجهزة التقنية المتاحة في السوق المحلي ارتفاعاً جنونياً تجاوزت نسبته 600%.
هذه القفزة في التكاليف، كما يراها "أبو قمر"، أدت إلى شلل شبه كامل في القطاعات المرتبطة بها؛ فتعطلت منظومات التعليم الرقمي، وتراجعت جودة الخدمات الصحية المعتمدة على الأتمتة، بل وامتد الأثر ليشمل العمل الإغاثي الذي بات يفتقر للأدوات التقنية اللازمة لإدارة الأزمات وتوزيع المساعدات بدقة.
الكارثة البشرية
وفيما يتعلق برأس المال البشري، يوضح الباحث أحمد أبو قمر أن حرب الإبادة تسببت في تضرر مباشر لنحو 30 ألف مختص في قطاع التكنولوجيا والتحول الرقمي. هؤلاء الكوادر، الذين كانوا يمثلون النخبة الاقتصادية والتقنية، وجدوا أنفسهم فجأة بلا أدوات عمل وبلا أسواق هذا الانهيار البشري ساهم، بحسب تحليل "أبو قمر"، في قفز معدلات البطالة العامة إلى قرابة 80%، بينما انزلق أكثر من 90% من سكان القطاع إلى دائرة الفقر المدقع. إن فقدان هؤلاء المختصين لوظائفهم وتدمير شركاتهم لا يعني خسارة مالية مؤقتة، بل هو استنزاف لعقول برمجية استغرق بناؤها وتدريبها عقوداً من الزمن، مما يضعف قدرة غزة المستقبلية على النهوض.
يخلص الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر في تحليله إلى أن تدمير قطاع تكنولوجيا المعلومات لا يمثل خسارة لشركات أو أرباح فحسب، بل هو ضربة قاصمة لفرص غزة في الصمود والتعافي المستقبلي وإن استهداف "العصب الرقمي" يهدف بوضوح إلى إبقاء الاقتصاد الغزي مكبلاً وتابعاً، وحرمان المجتمع من أقوى أدواته للتواصل مع العالم الخارجي وجلب الاستثمارات.
غزة اليوم، وفق رؤية "أبو قمر"، بحاجة ماسة لإنهاء الحصار التقني وإعادة بناء الجسور الرقمية، لأن استعادة نبض التكنولوجيا هي الخطوة الأولى نحو استعادة كرامة العيش والقدرة على إعادة بناء ما دمرته الحرب في كافة مناحي الحياة.










