في تحليل للمشهد الفلسطيني الراهن، وصف المحلل السياسي الفلسطيني محمد مصطفى شاهين في تصريحات خاصة لـ موقع "180 تحقيقات"، واقع التحركات الميدانية والسياسية المرتبطة بقطاع غزة بأنها عملية "هندسة فراغ محكم".
واعتبر شاهين أن الفتح المحدود لمعبر رفح لا يمكن اعتباره تسهيلاً لحركة المواطنين أو انفراجة حقيقية، بل هو في جوهره "الوجه الآخر للإغلاق الشامل"، حيث يهدف الاحتلال من خلاله إلى تحويل الأزمة من انفجار حاد ومفاجئ قد يقلب الموازين، إلى معاناة مزمنة تُدار بمنطق أعوج يخدم أهداف السيطرة والاستنزاف الطويل.
وأوضح شاهين أن ما يحدث على بوابات المعبر هو عملية "فتح للأنابيب" لمرور قطرات من الدم، متمثلة في الجرحى وبعض العائدين، بينما يظل جسد المجتمع الفلسطيني بأكمله محاصراً في غرفة انتظار كبرى لا تنتهي.
وأشار إلى أن التمييز المتعمد بين "الجريح والعائد" من جهة، و"المدني العادي" من جهة أخرى، يمثل فصلاً خبيثاً بين ما أسماه "الجسد المهدد" الذي قد يسبب حرجاً للرأي العام العالمي إذا انفجر تحت وطأة الحصار، وبين "الإنسان الصامت" الذي يراد له أن يبقى رهينة للزمن والجغرافيا، مما يفرغ الضغط الإنساني دون السماح بولادة أي كيان سيادي قادر على استثمار هذا العبور سياسياً.
خروقات الهدنة
وانتقل المحلل السياسي محمد مصطفى شاهين في حديثه لـ "180 تحقيقات" إلى ملف الهدنة، واصفاً الخروقات المتزامنة في قطاع غزة والضفة الغربية بأنها "نغمتان في سيمفونية اللا-سلام ذاتها".
وأكد أن هذه الخروقات ليست نتاج فوضى ميدانية أو تصرفات فردية، بل هي "سياسة ضغط موحدة الهدف" تتبناها المؤسسة الإسرائيلية لجعل أي تهدئة شاملة أمراً مستحيلاً. فمن خلال استمرار إشعال البؤر الملتهبة هنا وهناك، يسعى الاحتلال لإرسال رسالة مفادها أن يد "المدير الإسرائيلي" هي الوحيدة المتحكمة بصمام الأمان وطوق النار في آن واحد.
وشدد شاهين على أن ما يعيشه الفلسطينيون اليوم هو "هدنة سلاح" فقط، وليست هدنة تنبع من إرادة سياسية حقيقية تهدف إلى تحقيق السلام، فإشعال الحرائق الصغيرة في مناطق مختلفة يهدف إلى التأكيد اليومي على أن الاحتلال هو الطرف الذي يمتلك القدرة على تحديد إيقاع الحياة والموت، وهو ما يجهض أي محاولة دولية أو إقليمية لبناء مسار سياسي مستقر، ويحول التهدئة إلى مجرد استراحة قصيرة للمحارب يتبعها تصعيد مدروس لخدمة أجندات اليمين المتطرف الساعية لفرض وقائع جديدة على الأرض.
وفي توصيفه الدقيق لواقع المعابر، اعتبر شاهين أن وصف المعبر بـ "البوابة القاسية" تحت السيطرة الإسرائيلية يمثل جوهر "المسرحية المروعة" التي تُعرض فصولها على حساب الدم الفلسطيني.
وأشار إلى أن القسوة هنا لا تكمن في برودة الحجر أو صلابة الحديد، بل في النجاح في "تحويل الإنسان إلى بيانات في قائمة"، وجثمان ينتظر في ثلاجة، ورصيد سياسي يتم استغلاله في غرف المساومات المظلمة، هذا التشييئ للإنسان الفلسطيني هو قمة الانتهاك الذي يمارسه الاحتلال في ظل مشاريع قوانين وحشية، مثل قانون إعدام الأسرى، الذي يعكس رغبة في التحكم المطلق بالحياة والموت.
واختتم محمد مصطفى شاهين تصريحاته بالتأكيد على أن المسؤولية الدولية في هذا السياق لم تعد مجرد سؤال يطرح في الأروقة الدبلوماسية، بل تحولت إلى "فضيحة تاريخية" وإن القانون الدولي في الحالة الفلسطينية لا يُنتهك فحسب، بل يُستعرض انهياره بشكل علني أمام منصة العالم أجمع، فالمجتمع الدولي تحول دوره من "الحماية" الفعلية للشعوب تحت الاحتلال إلى مجرد "توثيق مراقب" لجريمة ممتدة منذ أكثر من عشرين عاماً، يشهد عليها كل حجر في رفح وكل خيمة نزوح في قطاع غزة، مما يجعل من الصمت الدولي شريكاً في هندسة هذه المعاناة المستمرة.










