20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. بكير أتاجان يكتب: الشراكة العسكرية التركية المصرية.. من المصالحة السياسية إلى إعادة رسم توازنات القوة الإقليمية

لم يعد التقارب التركي المصري مجرد مصالحة دبلوماسية بعد سنوات من التوتر، بل دخل مرحلة أكثر عمقاً وتأثيراً مع الإعلان عن اتفاقيات دفاعية غير مسبوقة.

بقلم: د. بكير أتاجان
٦ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
11 مشاهدة
وقّع وزير الدفاع التركي يشار غولر ونظيره المصري عبد المجيد صقر الأربعاء اتفاقية تعاون عسكري بحضور الرئيسين أردوغان والسيسي

وقّع وزير الدفاع التركي يشار غولر ونظيره المصري عبد المجيد صقر الأربعاء اتفاقية تعاون عسكري بحضور الرئيسين أردوغان والسيسي

لم يعد التقارب التركي المصري مجرد مصالحة دبلوماسية بعد سنوات من التوتر، بل دخل مرحلة أكثر عمقاً وتأثيراً مع الإعلان عن اتفاقيات دفاعية غير مسبوقة، شملت تصدير نظام الدفاع الجوي التركي الصنع MKE TOLGA إلى الجيش المصري، إلى جانب إنشاء شركة مشتركة لإنتاج الذخائر الذكية وفق معايير حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وصولاً إلى شراكة استراتيجية في مشروع الطائرات المقاتلة من الجيل الخامس.

تمثل هذه الخطوات تحوّلاً نوعياً في بنية العلاقة بين دولتين تشكلان ركيزتين أساسيتين في معادلات الشرق الأوسط وشرق المتوسط، وتؤشر إلى ولادة محور تعاون جديد يقوم على المصالح الاستراتيجية طويلة المدى، لا على الحسابات الظرفية.

من الخلاف السياسي إلى الشراكة الاستراتيجية

لأكثر من عقد، اتسمت العلاقات بين القاهرة وأنقرة بالتوتر والتباعد، غير أن التحولات الإقليمية المتسارعة، وتراجع الاعتماد على القوى الكبرى كضامن للأمن، دفعت الطرفين إلى إعادة تقييم أولوياتهما الاستراتيجية.

تركيا، التي حققت قفزات كبيرة في الصناعات الدفاعية، تسعى إلى توسيع نفوذها عبر شراكات إقليمية تحول تفوقها التكنولوجي إلى قوة استراتيجية مستدامة.

في المقابل، تنتهج مصر سياسة واضحة لتنويع مصادر السلاح وتوطين الصناعات العسكرية، بما يضمن استقلال القرار الدفاعي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

التقاء هذين المسارين لم يكن صدفة، بل نتيجة إدراك مشترك بأن الأمن لم يعد يُشترى من الخارج، بل يُبنى من الداخل عبر التكامل والشراكات الذكية.

الدلالات العسكرية: ما وراء صفقات السلاح

تصدير نظام TOLGA لمواجهة تهديدات المسيّرات لا يمثل مجرد تعزيز للقدرات الدفاعية المصرية، بل يعكس مستوى متقدماً من الثقة الاستراتيجية، حيث تشارك أنقرة أنظمة أثبتت فعاليتها في ساحات عمليات حقيقية.

وقّع وزير الدفاع التركي يشار غولر ونظيره المصري عبد المجيد صقر الأربعاء اتفاقية تعاون عسكري


 

أما الإنتاج المشترك للذخائر الذكية، فيؤسس لقاعدة صناعية عسكرية إقليمية قادرة على تلبية الاحتياجات المحلية والتنافس في الأسواق العالمية.

ويظل التعاون في مجال الطائرات المقاتلة المتقدمة هو المؤشر الأهم، إذ إن هذا القطاع لا يُفتح إلا أمام شركاء استراتيجيين موثوقين، نظراً لما يتضمنه من تكنولوجيا سيادية عالية الحساسية.

الأبعاد السياسية: محور توازن لا محور مواجهة

سياسياً، ترسل هذه الاتفاقيات رسالة واضحة مفادها أن أنقرة والقاهرة تتجهان نحو بناء توازن إقليمي مستقل نسبياً عن الاستقطابات الدولية التقليدية.

فبدلاً من الارتهان الكامل للقوى الكبرى، يعمل البلدان على صياغة شراكات مرنة تحمي المصالح المشتركة وتمنح هامشاً أوسع من الاستقلال الاستراتيجي.

ومن المرجح أن ينعكس هذا التقارب على ملفات محورية أبرزها:

  • شرق المتوسط
  • أمن البحر الأحمر
  • الاستقرار في ليبيا
  • توازن القوى في الشرق الأوسط

بما يسهم في تخفيف حدة الصراعات وخلق معادلات ردع قائمة على التعاون بدلاً من المواجهة.

المكاسب الاقتصادية: صناعة أمنية عابرة للحدود

لا يقل البعد الاقتصادي أهمية عن العسكري، فالصناعات الدفاعية تُعد من أسرع القطاعات نمواً وربحية عالمياً.
وتفتح الشراكة التركية المصرية المجال أمام:

  • نقل تكنولوجيا متقدمة إلى مصر
  • توسيع الصادرات العسكرية التركية
  • خلق آلاف فرص العمل
  • تحويل البلدين إلى مركزين إقليميين للصناعات الدفاعية

وهو ما يعزز الاستقلال الاقتصادي والأمني في آن واحد.

إلى أين تتجه الشراكة؟

تشير المؤشرات الحالية إلى أن التعاون لن يتوقف عند هذه الاتفاقيات، بل مرشح للتوسع ليشمل:

▪️ أنظمة دفاع جوي بعيدة المدى
▪️ مسيّرات هجومية واستطلاعية متقدمة
▪️ تقنيات بحرية وسفن حربية
▪️ رادارات وأنظمة حرب إلكترونية
▪️ تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكري

بما يؤدي إلى بناء منظومة دفاعية مشتركة واسعة النطاق.

خاتمة: تحالف مصالح يعيد تشكيل الإقليم

ما تشهده العلاقات التركية المصرية هو انتقال واضح من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة بناء شراكات استراتيجية عميقة.

إنه تحالف مصالح يعكس وعياً جديداً بأن مستقبل الأمن الإقليمي لن تصنعه القوى الكبرى وحدها، بل الدول القادرة على التكامل الذكي وتوحيد القدرات.

قد لا يكون هذا التقارب موجهاً ضد طرف بعينه، لكنه بلا شك سيعيد رسم ميزان القوى في المنطقة، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها:

الاعتماد المتبادل بدلاً من الارتهان الخارجي.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. بكير أتاجان

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير