تتسارع وتيرة القرارات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لترسم ملامح سياسة خارجية هجومية تعتمد على سلاح العقوبات والرسوم الجمركية لفرض واقع جيوسياسي جديد.
وفي هذا السياق، لوح ترامب، بإعادة فرض رسوم جمركية إضافية وصارمة تصل إلى نسبة 10% على السلع القادمة من الهند، في خطوة تعكس رغبة واشنطن في إعادة صياغة موازين القوى التجارية مع القوى الصاعدة في آسيا.
هذا التهديد لم يكن الوحيد على طاولة الإدارة الأمريكية، بل تزامن معه تحرك عسكري وسياسي أشد وطأة تجاه منطقة الشرق الأوسط، حيث أعلن البيت الأبيض عن توقيع الرئيس ترامب أمراً تنفيذياً يقضي بفرض عقوبات ثانوية مشددة على إيران، مما ينذر بمرحلة جديدة من الخناق الاقتصادي الذي تمارسه أمريكا على خصومها الإقليميين.
ترامب يعزل طهران
وتأتي هذه التحركات في ظل استراتيجية أمريكية تهدف إلى عزل طهران كلياً عن النظام المالي العالمي، وهي السياسة التي يتبناها ترامب منذ عودته للسلطة لتقويض نفوذ النظام الإيراني.
وبحسب التقارير الصادرة من البيت الأبيض، فإن العقوبات الثانوية تستهدف بالأساس أي كيان دولي أو دولة تحاول اختراق الحظر المفروض على إيران، مما يضع الشركاء التجاريين ل طهران أمام خيار مرّ بين التعامل مع السوق الإيراني أو مواجهة الحظر الأمريكي الشامل، وهو ما يعزز من سطوة القرار الأمريكي في التحكم بمسارات التجارة الدولية والملفات الأمنية الحساسة في المنطقة.
عقوبات أمريكية ضد إيران
وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن فرض حزمة جديدة من العقوبات المباشرة التي استهدفت عدداً من المسؤولين الإيرانيين الرفيعين، والذين تتهمهم واشنطن بالتورط المباشر في حملات القمع العنيفة التي شنتها الأجهزة الأمنية ضد المتظاهرين في العاصمة طهران وعدة مدن أخرى. ووفقاً لبيان رسمي صدر عن وزارة الخزانة، فإن هذه الإجراءات تأتي كاستجابة لما وصفته بـ "حملة القمع الوحشية" التي استهدفت الشعب الإيراني المطالب بحقوقه الأساسية، حيث أكدت أمريكا أنها لن تتوانى عن ملاحقة كل من ساهم في انتهاك حقوق الإنسان أو ترويع المواطنين الذين خرجوا للتعبير عن غضبهم من السياسات القائمة.
وأضافت الخزانة الأمريكية في بيانها التحليلي أن النظام في طهران يصر على تفضيل أجنداته التوسعية وتمويل الميليشيات المسلحة في الخارج على حساب رفاهية مواطنيه، مشيرة إلى أن النظام الإيراني يوجه ثروات البلاد لدعم برامج تسليحية ضخمة لا تخدم سوى بقاء النخبة الحاكمة في السلطة. هذا الخطاب الأمريكي يهدف بوضوح إلى تحميل النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن التدهور المعيشي، معتبرة أن ثروات الشعب تُبدد في أنشطة خبيثة تزعزع استقرار المنطقة، بينما تظل الاحتياجات الأساسية للمواطنين الإيرانيين في ذيل قائمة اهتمامات الحكومة في طهران.
انهيار المنظومة الاقتصادية
لم يغفل بيان وزارة الخزانة الأمريكية تسليط الضوء على الواقع المأساوي الذي يعيشه الداخل الإيراني، حيث أوضح التقرير أن الشعب يعاني من معدلات تضخم قياسية غير مسبوقة تسببت في تآكل القوة الشرائية، بالتزامن مع انهيار حاد في البنية التحتية المتهالكة. وأشار البيان بلهجة نقدية إلى أن سوء الإدارة الاقتصادية الذي استمر لأكثر من 47 عاماً أدى إلى كوارث بيئية وحياتية، من أبرزها النقص الحاد في إمدادات المياه والكهرباء، وهي الأزمات التي باتت تؤرق حياة الملايين في المدن والقرى الإيرانية، مما دفع الجماهير للخروج في احتجاجات تعبر عن يأسها من تحسن الأوضاع في ظل السياسات الحالية.
وترى أمريكا أن هذه الأزمات ليست نتيجة للعقوبات فحسب، بل هي نتاج طبيعي لتبديد النظام لمقدرات البلاد على صراعات خارجية لا ناقة فيها للشعب ولا جمل، وهو ما تصفه واشنطن بـ "النشاط الخبيث" الذي يستوجب زيادة الضغط الدولي. وفي ظل استمرار سياسة الرئيس الحالي ترامب، يبدو أن واشنطن تراهن على أن يساهم هذا الضغط الاقتصادي المتزايد، مع ارتفاع حدة السخط الشعبي في الداخل، في إجبار طهران على تغيير سلوكها الإقليمي أو مواجهة انهيار داخلي وشيك، خاصة مع استمرار السياسات الاقتصادية الكارثية التي يمارسها النظام الإيراني منذ عقود.







