تستعيد العاصمة الأردنية عمان في فبراير 2026 دورها المحوري كمركز إقليمي للدبلوماسية الإنسانية، حيث تحتضن جولة مفاوضات حاسمة ومباشرة بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي، تتركز بشكل كلي على استكمال تنفيذ أكبر صفقة تبادل للأسرى والمعتقلين والمخفيين قسرياً.
وتأتي هذه الجولة، التي انطلقت في الخامس من فبراير ومن المقرر أن تستمر حتى التاسع عشر منه، برعاية مشتركة من مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وذلك في إطار الجهود الدولية الرامية لترجمة التوافقات الأولية التي جرت في جولة "مسقط 2" إلى واقع ملموس ينهي معاناة آلاف العائلات اليمنية.
إن استضافة الأردن لهذه الاجتماعات لا تعكس فقط ثقة الأطراف المتصارعة في حيادية ومصداقية عمان، بل تؤكد أيضاً على الالتزام الأردني الراسخ بدعم كافة المساعي التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار والأمن في اليمن الشقيق، بعيداً عن صخب المواجهات العسكرية وضجيج التجاذبات السياسية.
مسار التفاوض في عمان.. مراجعة الكشوفات وتدقيق الأسماء النهائية
تتركز المباحثات الجارية في عمان لعام 2026 على القضايا الفنية واللوجستية المعقدة التي حالت دون تنفيذ الاتفاقات السابقة، وفي مقدمتها مطابقة الكشوفات النهائية وتدقيق أسماء 2900 أسير ومحتجز من الطرفين، وهو الرقم الذي تم التوافق عليه "شبه كلياً" في ديسمبر الماضي.
ويقود الوفد الحكومي المفاوض حراكاً دبلوماسياً مكثفاً داخل غرف الاجتماعات في عمان لضمان شمولية القوائم لكافة المخفيين قسرياً، وفي مقدمتهم القيادات السياسية والعسكرية المشمولة بالقرارات الدولية، وسط أجواء تتسم بالحذر والترقب.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه المفاوضين في هذه الجولة هو التغلب على "أزمة الثقة" وتبادل الاتهامات حول وجود أسماء وهمية أو غير موجودة في مراكز الاحتجاز، مما يجعل من الدور الأردني والأممي وسيطاً حيوياً لتقريب وجهات النظر والوصول إلى آلية تنفيذية تضمن سلاسة عملية النقل والتبادل عبر المطارات المحددة في الاتفاق الإطاري.
الدور الأردني
يمثل الأردن في هذه المرحلة حجر الزاوية في تسيير الشؤون الإنسانية لليمن، حيث تتجاوز استضافته للاجتماعات مجرد توفير المكان لتشمل تقديم الدعم اللوجستي والأمني والسياسي اللازم لإنجاح المهمة الأممية.
وقد أكدت وزارة الخارجية الأردنية، عبر تصريحات رسمية للسفير فؤاد المجالي، أن المملكة تضع كافة إمكاناتها لتسهيل عمل اللجنة الإشرافية المعنية بتنفيذ اتفاق تبادل الأسرى، إيماناً منها بأن حل الملف الإنساني هو المدخل الحقيقي والوحيد لأي تسوية سياسية شاملة ومستدامة.
ويرى مراقبون أن اختيار عمان كمنصة لهذه الجولة يعكس الرغبة الدولية في إبعاد الملف عن التأثيرات الميدانية المباشرة وتوفير بيئة هادئة تسمح للمفاوضين بالتركيز على الجوانب التقنية للصرف، خاصة في ظل التغيرات الحكومية الأخيرة في اليمن وتكليف الدكتور شائع الزنداني، الذي يحظى بعلاقات قوية مع الدوائر السياسية في الأردن.
التحديات والمخاوف.. هل تتعرقل الصفقة الكبرى مجدداً؟
بالرغم من الزخم الإيجابي الذي يحيط بمشاورات عمان في فبراير 2026، إلا أن هناك مخاوف حقيقية من احتمال تعثر الصفقة مرة أخرى نتيجة المطالب والشروط المتزايدة من جانب جماعة الحوثي، والتي غالباً ما تربط الملف الإنساني بملفات سياسية وعسكرية معقدة.
إن الحكومة اليمنية تصر في جولة عمان الحالية على ضرورة الكشف عن مصير كافة المفقودين وزيارة السجون قبل البدء في التنفيذ الفعلي، وهو ما تعتبره الجماعة شروطاً "استباقية" قد تطيل أمد التفاوض.
وتراقب أسر المعتقلين في اليمن والشتات مخرجات اجتماعات الأردن بقلق بالغ، خاصة بعد تعثر رحلات النقل الجوي الإنسانية في فترات سابقة، مما يجعل من نجاح هذه الجولة اختباراً لجدية المجتمع الدولي في الضغط على المعرقلين وضمان عودة المحتجزين إلى ذويهم قبل حلول المناسبات الدينية والوطنية القادمة، لتكون الفرحة "فرحتين" لمئات العائلات اليمنية.
آفاق الحل الشامل
إذا ما نجحت جولة عمان في إنجاز "الكشوفات النهائية" والاتفاق على جدول زمني للتبادل، فإن ذلك سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة من بناء الثقة قد تتعدى ملف الأسرى لتشمل ملفات أكثر حساسية مثل فتح الطرقات وتوحيد العملة والبنك المركزي.
إن الأردن، باستضافته لهذه الاجتماعات، يرسل رسالة واضحة مفادها أن الحل في اليمن يبدأ من الإنسان وينتهي بالسياسة، وأن عمان ستظل مفتوحة لكافة الأطراف الراغبة في الحوار السلمي.
ويُنتظر أن تصدر اللجنة الإشرافية في ختام جولة فبراير بياناً ختامياً يحدد موعد انطلاق أولى طائرات التبادل، وهو ما سيمثل انتصاراً للدبلوماسية الأردنية والأممية، وبارقة أمل لليمنيين بأن ليل الحرب الطويل قد شارف على الانتهاء، وأن صفحة الأسرى والمختطفين قد تطوى أخيراً في عام 2026 لتبدأ مرحلة الإعمار والمصالحة الوطنية الشاملة.
عمان تزرع بذور الأمل في جسد اليمن المثخن
تظل مشاورات عمان لتبادل الأسرى اليمنيين في فبراير 2026 هي الحدث الإنساني الأبرز الذي يعيد الاعتبار للقيم الأخلاقية في زمن الصراعات، حيث يثبت الأردن مجدداً أنه "رئة اليمن" التي يتنفس من خلالها السلام.
إن الطريق من مسقط إلى عمان لم يكن سهلاً، لكن الإرادة الدولية والتسهيلات الأردنية جعلت من المستحيل ممكناً، بانتظار اللحظة التي تلمس فيها أقدام الأسرى المحررين تراب وطنهم إن نجاح هذه الصفقة هو نجاح لكل يمني يؤمن بالدولة والمواطنة، وهو شهادة استحقاق للدور الأردني الريادي الذي لم يتوانَ يوماً عن نصرة قضايا الأمة، ليبقى اليمن سعيداً بحرية أبنائه، وتظل عمان منارة للحوار وواحة للأمن والاستقرار في منطقة لا تزال تبحث عن طريقها نحو الخلاص والسكينة.










