تجاوزت أزمة الكهرباء في قطاع غزة حدود كونها مجرد انقطاع لخدمة حيوية، لتتحول في ظل "حرب الإبادة" المستمرة إلى أزمة اقتصادية هيكلية طالت كافة مناحي الحياة اليومية والإنتاجية.
لم يعد الغزي يبحث عن الرفاهية، بل أصبح الحصول على بضع ساعات من الإنارة وشحن الهواتف المحمولة يمثل معركة اقتصادية يخوضها المواطن يومياً مقابل مبالغ مالية طائلة، في وقت يعاني فيه القطاع من شلل تام في مصادر الدخل وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية والمياه.
واقع كارثي
تشير البيانات الميدانية والتقديرات الاقتصادية إلى أن قطاع غزة قد دخل في نفق مظلم بكل ما تحمله الكلمة من معنى منذ توقف محطة التوليد الوحيدة وانقطاع خطوط التغذية القادمة من الداخل المحتل.
لقد بلغت الخسائر التقديرية لقطاع الطاقة أكثر من 728 مليون دولار كتقييم أولي، حيث تعرضت ما يزيد عن 70% من شبكات النقل والتوزيع والخطوط الهوائية والمحولات لتدمير كلي أو جزئي.
هذا التدمير المنهجي أدى إلى خسارة نحو 2.1 مليار كيلوواط/ساعة من الطاقة التي كان من المفترض أن تتدفق في الشرايين الاقتصادية للقطاع، مما حول المنظومة الرسمية للكهرباء إلى حطام ينتظر سنوات طويلة من إعادة الإعمار.
تشوهات السوق والاحتكار المُقنّع
في هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما يحدث في سوق الطاقة البديلة (المولدات التجارية) يمثل "تشوهاً اقتصادياً" خطيراً يتجاوز منطق العرض والطلب.
ويوضح أبو قمر أن بروز المولدات التجارية كخيار وحيد في الفراغ الذي خلفه غياب المنظومة الرسمية، أوجد حالة من الاحتكار غير المعلن، حيث يُفرض على المواطن سعر للكيلوواط الواحد يتراوح ما بين 20 إلى 30 شيكلاً، وهو رقم فلكي مقارنة بتكلفة التشغيل الفعلية.
ويضيف الباحث أحمد أبو قمر في رؤيته التحليلية "إن المفارقة الصارخة تكمن في أن لتر السولار، رغم ارتفاع سعره ليصل إلى 25 شيكلاً، إلا أن تكلفة إنتاج الكيلوواط الواحد من خلاله لا تبرر بأي شكل من الأشكال وصول السعر للمواطن إلى 30 شيكلاً، خاصة مع لجوء بعض أصحاب المولدات لخلطات وقود محلية أو بديلة بتكلفة أقل. هذا الفارق السعري يمثل ربحاً فاحشاً يُنتزع من جيوب مواطنين نازحين لا يملكون مصدر دخل، مما يحول خدمة الكهرباء من حق إنساني إلى تجارة استغلالية في ذروة الأزمة".
التبعات المعيشية
لقد أدى هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار إلى تغيير جذري في ميزانية الأسرة الغزية. ففي المتوسط، تضطر العائلة لدفع حوالي 300 شيكل شهرياً مقابل قدر ضئيل جداً من الطاقة يكفي فقط للإنارة وشحن الهواتف، دون القدرة على تشغيل أجهزة التبريد أو الغسالات أو حتى آلات ضخ المياه هذا الاستنزاف المالي المستمر يقلص من قدرة المواطنين على شراء الغذاء والدواء، مما يعمق من حالة الفقر المدقع. إن غياب الرقابة الحكومية أو التنظيمية على أصحاب المولدات جعل من هذه "المافيا الاقتصادية" الصغيرة قوة تتحكم في مصير الأحياء السكنية والخيام، حيث لا يجد المواطن خياراً سوى الخضوع لهذه الأسعار أو البقاء في عتمة كاملة تزيد من تعقيدات حياته الأمنية والنفسية.
تدمير البنية التحتية وتعذر الحلول السريعة
إن حجم الدمار الذي طال مرافق شركة توزيع الكهرباء لا يتوقف عند الأسلاك والمحولات، بل يمتد إلى فقدان الكوادر الفنية والمعدات الثقيلة اللازمة للصيانة وإن إعادة تشغيل المنظومة الرسمية تتطلب أولاً وقف العدوان، ثم إدخال كميات هائلة من المواد الخام والمعدات التي يمنع الاحتلال دخولها تحت ذريعة "الاستخدام المزدوج". هذا الواقع يفرض بقاء "اقتصاد المولدات" مسيطراً لفترة طويلة، ما لم تتدخل جهات دولية أو لجان محلية لضبط الأسعار وفرض سقف سعري عادل يحمي المستهلك ويضمن استمرارية الخدمة دون استغلال.
يؤكد الباحث أحمد أبو قمر أن الحل لا يمكن أن يترك ليد "السوق الحر" في بيئة حرب، بل يجب العمل على مسارين متوازيين المسار الأول تفعيل دور لجان الرقابة الشعبية والقانونية لكسر احتكار المولدات التجارية وإخضاعها لتعريفة موحدة تتناسب مع التكلفة الفعلية للوقود والمسار الثاني الضغط الدولي لإدخال الوقود المخصص لمحطة التوليد وتوفير قطع غيار عاجلة لترميم أجزاء من الشبكة العامة لضمان وصول كهرباء ولو بالحد الأدنى وبأسعار مدعومة.
إن استمرار هذا النزيف المالي في قطاع الكهرباء يعني ببساطة إفراغ جيوب المواطنين من أي مدخرات قد تعينهم على مرحلة ما بعد الحرب، ويجعل من عملية التعافي الاقتصادي مستقبلاً أمراً في غاية الصعوبة في ظل تراكم الديون والالتزامات المالية على كاهل العائلات المنكوبة.










