يرى الكاتب والمحلل الاقتصادي الفلسطيني مصطفى رضوان أن التحولات الأخيرة في مسار العلاقات المصرية التركية لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الاقتصادي العالمي الضاغط، حيث يحلل رضوان هذا التقارب باعتباره نتيجة حتمية لتوقيت تحكمه اعتبارات مصلحية بحتة.
وفي ظل تباطؤ معدلات النمو العالمي وارتفاع الكلفة الاقتصادية للأزمات الإقليمية المستمرة، يجد الطرفان أنفسهما أمام حاجة ملحة لإعادة تنشيط حركة التجارة والاستثمار عبر بناء شراكات إقليمية تتسم بالاستقرار وتقلل من عبء التوترات الجيوسياسية.
ويؤكد رضوان في تصريحات خاصة لموقع 180 تحقيقات أن كلا البلدين يمتلكان اقتصادات ذات أحجام كبيرة نسبياً، وأسواقاً استهلاكية واسعة، بالإضافة إلى قدرات صناعية ولوجستية هائلة، مما يجعل من التعاون بينهما خياراً عقلانيًا تفرضه لغة الأرقام، وليس مجرد "ترف سياسي" أو مناورة دبلوماسية عابرة.
تحويل الجغرافيا من ساحة صراع إلى مجال للمصالح المتبادلة
في قراءته لآفاق هذا التقارب، يشير مصطفى رضوان إلى أن الانتقال من منطق التنافس إلى منطق "العقلانية المصلحية" يمثل فرصة ذهبية لتعزيز التبادل التجاري وجذب الاستثمارات المشتركة التي تخدم التنمية المستدامة في كلا البلدين.
ويعد ملف الطاقة وشرق المتوسط من أبرز الملفات التي يمكن أن يثمر فيها هذا التنسيق، حيث يساهم التوافق المصري التركي في الحد من خسائر النزاعات القانونية والسياسية حول موارد الغاز، ويحول هذه المنطقة من ساحة للتجاذب إلى مجال رحب لتحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة للطرفين.
إن هذا التحول الاستراتيجي في إدارة الملفات المشتركة يعكس إدراكاً عميقاً بأن الاستقرار السياسي هو الضمانة الوحيدة لبيئة أعمال ناجحة، وهو ما ينسحب بالضرورة على ملفات إقليمية شديدة الحساسية مثل الوضع في ليبيا وقطاع غزة، حيث يتداخل الأمن مع الاقتصاد بشكل لا يقبل التجزئة.
براغماتية اقتصادية لا تحول استراتيجي شامل
رغم التفاؤل الذي يحيط بهذا التقارب، يضع المحلل مصطفى رضوان إطاراً واقعياً لتقييم المرحلة الراهنة، محذراً من الاندفاع نحو اعتبار ما يحدث تحولاً استراتيجياً كاملاً وشاملاً في كافة الملفات فالتقارب في جوهره يظل محكوماً بمنطق "البراغماتية الاقتصادية"، حيث تفرض التحديات المتراكمة والخلافات العميقة السابقة على الطرفين سلوك مسار تدريجي وحذر، هذا المسار يقوم على مبدأ "إدارة المصالح" بدلاً من القفز المباشر فوق التباينات السياسية التي لا تزال قائمة.
ويرى رضوان أن القوة الدافعة لهذا التقارب هي الرغبة في تعظيم الأرباح الاقتصادية وتقليل المخاطر، مما يعني أن استدامة هذه العلاقات ستظل مرهونة بمدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن والمستثمر في كلا البلدين، بعيداً عن الشعارات السياسية الكبرى.
تكتيك الملفات الأقل حساسية
من منظور اقتصادي فني، يتوقع مصطفى رضوان أن تشهد المرحلة القادمة تعميقاً كبيراً للتعاون في الملفات التي لا تثير حساسية سياسية مفرطة، مثل التبادل الصناعي، وتسهيل الإجراءات الجمركية، وزيادة وتيرة الشحن البحري والجوي بين الموانئ المصرية والتركية أما الملفات السياسية المعقدة والعالقة، فمن المرجح أن تُترك لمسار تفاوضي أطول وأكثر هدوءاً، مما يسمح للطرفين ببناء الثقة تدريجياً عبر النجاحات الاقتصادية هذه الاستراتيجية تجعل التقارب المصري التركي "قابلاً للاستمرار" لفترات طويلة، طالما ظل محكوماً بمنطق "الربح المتبادل" والاستقرار الإقليمي، وطالما استطاع الطرفان عزل المصالح الاقتصادية الحيوية عن التقلبات السياسية المحتملة التي قد تطرأ في ظل التغيرات السريعة التي تشهدها المنطقة.
بيئة الأعمال والأمن الإقليمي
يشدد رضوان على أن الانعكاسات الإيجابية لهذا التقارب لن تقتصر على الداخل المصري والتركي فحسب، بل ستمتد لتشمل دول الجوار ومناطق النزاع التي يمتلك فيها البلدان نفوذاً كبيراً.
ففي الحالة الليبية، يساهم التوافق في خلق مناخ أكثر أماناً لشركات المقاولات والاستثمار، مما يسهل عمليات إعادة الإعمار ويفتح آفاقاً اقتصادية جديدة. أما في قطاع غزة، فإن التنسيق بين القاهرة وأنقرة يمكن أن يسهم في تفعيل مشاريع إغاثية وتنموية أكثر كفاءة، مدعومة بغطاء سياسي مستقر.
إن هذا الربط بين الاقتصاد والأمن يؤكد رؤية رضوان في أن المصالح المشتركة هي "الصمغ" الذي يمكن أن يعيد لصق العلاقات المقطوعة ويمنحها القوة لمواجهة العواصف السياسية، مما يجعل الاستقرار الإقليمي هدفاً اقتصادياً بقدر ما هو طموح سياسي.
مستقبل العلاقات في ظل معادلة "الربح للجميع"
واختتم الكاتب مصطفى رضوان إلى أن التقارب المصري التركي يمثل نموذجاً جديداً للسياسات الإقليمية القائمة على تغليب لغة "الجيواقتصاد" على لغة "الجيوسياسة" وإن استمرار هذا المسار يعتمد بشكل أساسي على قدرة القيادة في البلدين على حماية المكتسبات التجارية والاستثمارية من أي ارتدادات سياسية سابقة. فالاقتصاد اليوم هو المحرك الفعلي للدول، وفي ظل التحديات العالمية الراهنة، تصبح الشراكة المصرية التركية ضرورة استراتيجية لتحصين الجبهات الداخلية وتوفير فرص عمل ونمو مستدام وإذا نجحت القاهرة وأنقرة في ترسيخ هذه المعادلة، فإننا سنكون أمام خارطة تحالفات إقليمية جديدة تعيد صياغة موازين القوى في شرق المتوسط والشرق الأوسط على أسس من الاستقرار والربح المشترك الذي يعود بالنفع على شعوب المنطقة بأكملها.










