في خطوة وُصفت بالتاريخية والمفصلية على صعيد العمل النقابي الدولي، نفذ عمال الموانئ في أكثر من 21 ميناءً استراتيجياً على ساحل البحر الأبيض المتوسط إضراباً شاملاً واحتجاجات واسعة تحت شعار "عمال الموانئ لا يعملون من أجل الإبادة".
وشمل هذا الحراك المنظم دولاً محورية مثل اليونان وإيطاليا وتركيا وإسبانيا والمغرب، حيث توقفت حركة الشحن والتفريغ تماماً ليوم كامل، تعبيراً عن الرفض القاطع للمشاركة في نقل أو شحن الأسلحة والمعدات العسكرية المتوجهة إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
ويعكس هذا التحرك تنامياً غير مسبوق في الوعي السياسي والأخلاقي لدى الطبقة العاملة العالمية، التي اختارت استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والمهني المباشر للتعبير عن تضامنها الفعلي مع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ورفضها الصريح لأن تكون ترساً في منظومة الحرب والدمار.
إشادة حماس.. الخطوة النقابية كضغط استراتيجي ضد العدوان
من جانبها، سارعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى إصدار بيان رسمي تثمن فيه هذه الخطوة البطولية لعمال الموانئ، معتبرة أن هذا الموقف يمثل انتصاراً للقيم الإنسانية والأخلاقية في وجه الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
وأكدت الحركة في بيانها أن إضراب عمال الموانئ في أوروبا والمنطقة العربية يشكل ضغطاً حقيقياً وملموساً على الاحتلال الإسرائيلي، حيث يساهم في عزلته اللوجستية ويعطل إمداداته العسكرية الحيوية.
ودعت حماس كافة الاتحادات العمالية والنقابات والهيئات المهنية حول العالم إلى الاقتداء بهذه الخطوة وتوسيع حملات المقاطعة الشاملة، والعمل على تشكيل "جبهة مقاطعة فاعلة" ترفض الانخراط في أي عمليات نقل سلاح تساهم في إطالة أمد حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها سكان القطاع منذ أشهر طويلة.
تنامي دور النقابات.. من المطالب المهنية إلى المواقف الجيوسياسية
يمثل إضراب السبت 7 فبراير 2026 تحولاً نوعياً في دور النقابات العمالية، التي باتت تلعب دوراً سياسياً مؤثراً يتجاوز حدود المطالبة برفع الأجور وتحسين ظروف العمل. إن نجاح التنسيق بين عمال موانئ إيطاليا واليونان وتركيا وغيرهم يبرز قدرة القوى الشعبية على ممارسة "دبلوماسية عمالية" قادرة على التأثير في مجريات النزاعات الدولية.
ويأتي هذا الإضراب في ظل انتقادات دولية وحقوقية متزايدة لاستمرار بعض الحكومات في تصدير السلاح إلى إسرائيل، رغم التحذيرات الأممية من استخدامه في هجمات قد ترقى إلى جرائم حرب. إن تعليق العمل في الموانئ تحت شعار "عمال الموانئ لا يعملون من أجل الحرب" يرسل رسالة واضحة لصناع القرار بأن الشعوب لم تعد تكتفي بالإدانة اللفظية، بل بدأت في تعطيل المصالح الاقتصادية المرتبطة بتمويل ودعم العمليات العسكرية.
الضغط الدولي والمقاطعة.. خناق يضيق حول صادرات السلاح
تتزامن هذه التحركات العمالية مع ضغوط هائلة تمارسها منظمات حقوقية دولية تطالب بفرض حظر شامل على توريد السلاح لإسرائيل، استناداً إلى انتهاكات القانون الدولي الإنساني في غزة.
وقد أظهرت لقطات مصورة، تداولها نشطاء من موانئ إيطاليا، حشوداً من العمال وهم يرفعون الأعلام الفلسطينية ويغلقون بوابات الشحن، مؤكدين التزامهم التام بمنع مرور أي شحنات عسكرية.
إن هذا التناغم بين الحراك النقابي والتقارير الحقوقية يضع الدول المصدرة للسلاح في موقف محرج أمام شعوبها، ويؤكد أن كلفة استمرار الحرب باتت تشمل اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية واحتجاجات قد تشل حركة الموانئ الحيوية، وهو ما يمثل ضغطاً إضافياً لإجبار الاحتلال على الالتزام باتفاقيات وقف إطلاق النار واحترام حقوق الشعب الفلسطيني.
ثورة العمال كصمام أمان للعدالة الدولية
يثبت إضراب عمال موانئ المتوسط أن إرادة الشعوب قادرة على خلق واقع جديد وتجاوز العجز السياسي الدولي. إن انضمام موانئ من دول عربية كالمغرب إلى جانب موانئ أوروبية يعزز من عالمية القضية الفلسطينية ويحولها من نزاع إقليمي إلى قضية ضمير عالمي.
وستظل هذه الخطوة محفورة في ذاكرة العمل النقابي كواحدة من أكبر عمليات التضامن العمالي العابر للقارات، والتي تهدف في جوهرها إلى حقن دماء الأبرياء وحماية القانون الدولي من الانهيار.
ومع استمرار هذه الضغوط، يتطلع العالم إلى أن تنجح هذه الجبهة العمالية في دفع المجتمع الدولي نحو اتخاذ قرارات حاسمة تنهي العدوان وتضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار، تأكيداً على أن العمل لا يمكن أن يكون وسيلة للقتل، بل أداة للبناء والسلام.










